جاء الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مختلفا عن عدد من الخطب السابقة، ليس فقط من حيث بنيته، بل من حيث ترتيب الأولويات والرسائل التي حملها، لقد خطابا اقتصاديا وتنمويا بامتياز، يركز على حصيلة الدولة الاستراتيجية أكثر مما ينشغل بالتجاذبات السياسية أو السجالات الظرفية.
كما أن الخطاب قد حمل رسائل واضحة إلى النخبة السياسية، دون أن يسميها، وانتهى بما لم يقله أكثر مما توقف عند ما قاله.
ويمكن قراءة الخطاب من خلال عنصرين رئيسيين:
الدولة الاستراتيجية والملك الذي لا يبحث عن مجد شخصي
منذ الفقرة الأولى، حرص الملك محمد السادس، شافاه الله وعافاه، على تأطير فلسفة الحكم التي تبناها منذ اعتلائه العرش، حين أكد أنه “لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي، بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك”.
هذه العبارة القوية وغير المسبوقة ليست مجرد تعبير أخلاقي، وإنما تمثل مفتاحا لفهم الخطاب كله.
الملك محمد السادس يربط شرعية الإنجاز بخدمة المواطن لا ببناء صورة الزعيم، ويقدم نفسه باعتباره مؤتمنا على مشروع دولة طويلة النفس، وليس فاعلا سياسيا يسعى إلى تحقيق مكاسب ظرفية أو انتخابية.
ولذلك حرص الخطاب على أمر، أعتبره مهما، وهو أن جلالة الملك لم يربط المنجزات بالحكومات أو بالأغلبيات البرلمانية، وإنما نسبها إلى “توجه استراتيجي واضح” وإلى “مذهب في الحكم” يقوم على المبادرة والاستمرارية والمتابعة.
ومن هنا، فإن الدولة تظهر في الخطاب باعتبارها الفاعل المركزي في إنتاج السياسات العمومية الاستراتيجية الكبرى، فالحديث عن الأمن، وعن الاستقرار، وعن النجاعة المؤسساتية، وعن التدبير الاستباقي للأزمات، وعن تنظيم التظاهرات الدولية، هذه كلها عناصر تؤسس لفكرة أن المغرب يمتلك دولة قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ، بصرف النظر عن تغير الحكومات.
كما يبرز مفهوم “الدولة-الأمة” باعتباره الإطار الناظم لهذا التصور، حيث يقدم المغرب باعتباره دولة تستمد قوتها من تراكمها التاريخي ومن انسجام مؤسساتها، وهو ما يمنحها القدرة على مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.
ولذلك فإن الخطاب يربط بين الاستقرار السياسي والاستقرار التنموي، ويعتبر أن الأمن لم يعد مجرد وظيفة سيادية، بل أصبح رأسمالا اقتصاديا واستثماريا يميز المغرب عن كثير من الدول محيطه الإقليمي.
بهذا المعنى، فإن الخطاب يعيد تثبيت مركزية المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن لاستمرارية المشروع الوطني، بينما تبدو باقي المؤسسات جزء من منظومة تنفيذية تعمل داخل هذا المشروع.
الاقتصاد والتنمية في صدارة الأولويات… ورسالة مبطنة إلى النخبة السياسية
قدم الخطاب الملكي حصيلة دقيقة، نمو اقتصادي، موسم فلاحي جيد، تحول المغرب إلى أول مصدر للسيارات في إفريقيا، تطور صناعات الطيران، إطلاق مشاريع البطاريات الكهربائية، تنزيل استراتيجية الهيدروجين الأخضر، تعزيز الصناعات الغذائية والدوائية، التوجه نحو الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، وتحقيق رقم قياسي في القطاع السياحي باستقبال حوالي عشرين مليون سائح.
هذه ليست مجرد مؤشرات تقنية، وإنما هي بناء متكامل لتدشين سردية جديدة عنوانها أن المغرب انتقل من اقتصاد يعتمد على الفوسفاط والفلاحة إلى اقتصاد صناعي وتكنولوجي مندمج في سلاسل الإنتاج العالمية.
ومن اللافت أيضا أن الخطاب لم يكتف بعرض المنجزات، بل انتقل إلى الحديث عن التمويل، حيث دعا القطاع المالي إلى تعبئة الادخار الوطني، وتوسيع تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما يعني أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة الاستثمار والإنتاج أكثر من كونها مرحلة الإصلاحات القانونية.
وفي المقابل، حمل الخطاب نقدا سياسيا ضمنيا للنخبة الحزبية والحكومية، ويظهر ذلك من العبارة التي تؤكد أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية… تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني” ليست مجرد توصيف، بل هي رسالة واضحة مفادها أن الإنجازات الكبرى ليست مرتبطة بالدورات الانتخابية، وإنما هي ثمرة رؤية استراتيجية ممتدة عبر الزمن.
ويتعزز هذا المعنى عندما يقول الملك إنه يتطلع، بعد الانتخابات المقبلة، إلى “إطلاق دورة جديدة” تقوم على “تحصين المكاسب” و”مواصلة المشاريع”، والمطلوب من الحكومة المقبلة، وفق هذا المنطق ليس تغيير الاتجاه، وإنما الاستمرار في تنفيذ المشروع الاستراتيجي للدولة، وليست حكومة المونديال كما يتبجح البعض.
والمعادلة هنا من خلال الخطاب تبدو واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، الدولة تمتلك المشروع، بينما تتغير الحكومات لتدبير مراحل تنفيذه، وهذا تصور يعكس استمرار مركزية الدولة الاستراتيجية مقابل محدودية المبادرة السياسية للأحزاب السياسية.



تعليقات الزوار ( 0 )