أخبار ساعة

22:44 - إسبانيا تسقط فرنسا بثنائية وتعب إلى نهائي مونديال 202622:23 - الحصيلة التشريعية 2021-2026 بين التطورات القانونية والاختلالات السياسية22:07 - السفارة الأمريكية بالمغرب تربط إطلاق مركز “AMTEC” بتعزيز الأمن الإقليمي20:54 - التخطيط الاستراتيجي للقطاعات الحكومية..هل يفشل التنفيذ أم تفشل الاستراتيجيات؟20:22 - ترامب يتراجع عن فرض “رسوم حماية هرمز” ويتجه لإبرام اتفاقات استثمارية مع الخليج19:46 - حصيلة مشجعة وإكراهات تقنية تواجه عاما من تطبيق العقوبات البديلة18:40 - الوزيرة السغروشني تدعو من الرباط إلى تعزيز قيادة عمومية إفريقية تنبع من الواقع ومنفتحة على العالم18:26 - وهبي: خطتي ضد فرنسا فشلت وأتحمل مسؤولية غياب شخصية “الأسود”17:22 - لفتيت يطلق مشاورات انتخابات 2026 ويعيد تفعيل اللجنة المركزية17:00 - سجال داخل مجلس النواب بين الاتحاد الاشتراكي و”البام” بشأن التحركات الحزبية في الأقاليم الجنوبية
الرئيسية » مقالات الرأي » النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

     حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا يكتبون القصيدةَ بوصفها زينة لغوية، بلْ بوصفها سِلاحًا رُوحيًّا، وأداةَ مُقاومةٍ.

     وَمِنْ بَين أهمِّ هؤلاء الشعراء، يَبْرز الشاعرُ الفِلَسطيني سميح القاسم ( 1939_ 2014 ) ، والشاعرُ الروسي فلاديمير ماياكوفسكي ( 1893_ 1930 انتحار )، بوصفهما صَوْتَيْن ثوريين انطلقا من بيئتين مختلفتين، لكنَّهما التقيا في جَوهر الرؤية الشعرية: الإيمان بأنَّ الكلمة قادرة على هَزِّ العالَم.

     عاشَ القاسم تجربةَ الاحتلال والقهر والاقتلاع، فكانتْ قصيدته ابنة الأرض الفِلَسطينية الجريحة، بَينما عاشَ ماياكوفسكي اضطرابات روسيا الثَّوْرية وانفجاراتها الاجتماعية والسياسية، فصارَ شِعْرُه مِرآةً لعصرٍ يبحث عن ولادة جديدة. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والتاريخ، فإنَّ النبرة الثورية لدى الشاعرَيْن تكشف تشابهًا عميقًا في البِنْيَة النَّفْسية والفنية والفكرية.

     لَم يكن التمردُ عند القاسم موقفًا عابرًا، بلْ كانَ جَوهرَ تَكوينه الشعري، فهو شاعر يَرى في الصمتِ خيانةً، وفي الكلمة مسؤولية أخلاقية. لذلك، جاءتْ قصائده حادَّة، وصاخبة، ومليئة بنداءات التحدي والصمود. لقدْ خاطبَ المُحْتَلَّ مباشرة، وخاطبَ شَعْبَه، وخاطبَ التاريخَ نَفْسَه، كأنَّه يريد أن يثبت أن الفِلَسطيني لا يُهزَم ما دامَ قادرًا على الكلام.

     في قصائده تتحوَّل الذاتُ الفردية إلى رمز جَمَاعي، ويصبح الشاعرُ صُورةً للشعبِ بأكمله. الكِبرياءُ هُنا لَيست شُعورًا ذاتيًّا، بلْ هِيَ حالة مُقاومة. والنبرةُ المرتفعة، والإيقاعُ الحاسم، والجُمَلُ القصيرة المُتدفقة، كُلُّها تجعل القصيدةَ أقرب إلى خِطاب ثَوْري يُلْقَى في ساحةِ نضالٍ.

     أمَّا ماياكوفسكي، فقدْ كانَ يَرى الشعرَ فِعلًا تغييريًّا مباشرًا. لقد تمرَّدَ على الأشكال الشعرية التقليدية، واللغةِ الهادئة، والنُّخبةِ الثقافية، وكتبَ شِعرًا يُشبِه الانفجارَ. كانَ يُريد للكلمة أن تكون مِطرقة، وللقصيدةِ أن تكون طلقة. ولهذا جاءتْ قصائدُه ممتلئة بالصُّراخ، والاستفزاز، والطاقةِ العنيفة التي تهزُّ القارئَ.

     إنَّ ما يَجْمع بين الشاعرَيْن هو رفضهما لفكرة” الشاعر المنعزل”. كِلاهما خرج مِن بُرج الشعر العاجي إلى الشارعِ والتاريخِ والجماهير، وصارَ الشعرُ عندهما مُمارسة نضالية لا نشاطًا جَمَالِيًّا فقط.

     تميَّزت لغةُ القاسم بالقوةِ والوضوح والاندفاع، فهو لا يكتب بلغةٍ هامسة، بلْ بلغة تُواجِه وتَصطدم وتُعْلِن. تتكرَّر في شِعره الأفعالُ الحركية، وصِيَغ التحدي، والمفردات المرتبطة بالأرضِ والدَّمِ والحرية. ورُمُوزُه تظلُّ مشتعلة بالمعنى السياسي والإنساني. وقصيدته تتحرَّك بإيقاع جماهيري واضح، وكأنَّها كُتبت لِتُلقى أمام الحُشود. وهذا مَا منح شِعْرَه قُدرةً استثنائية على الانتشار والتأثير، إذْ لَم يبقَ حبيسَ النُّخبة الأدبية، بلْ تَحَوَّلَ إلى جُزء مِن الوِجدان الفِلَسطيني والعربي.

     أمَّا ماياكوفسكي فقدْ أحدثَ ثورةً لغوية حقيقية في الشعر الروسي. لقدْ كسرَ نظامَ القصيدة التقليدية، واعتمدَ الجُملَ المتوترة، والإيقاعات المُفاجئة، والتراكيب الحادَّة. كانَ يكتب كما لَوْ أنه يَخطُب في مُظاهرة، أوْ يَصرخ مِن فَوق مِنَصَّة ثّوْرية. لذلك تبدو قصائده أحيانًا أقرب إلى العاصفة مِنها إلى الغِناء.

     وقد استخدمَ الشاعران التَّكرارَ بوصفه أداةً تحريضية، فالتَّكرارُ عِندهما لا يُؤَدِّي وظيفةً موسيقية فَحَسْب، بلْ يَصنع حالةً نَفْسية جَمَاعية، ويمنح النَّصَّ قوةً خَطابية تُشبِه الهُتافَ الثَّوْري.

     يؤمن القاسم بأنَّ الإنسان قادر على الانتصار، حتى في أقسى ظُروف القهر. لذلك تَظهر في شِعره صُورةُ الفِلَسطيني الصامد الذي يَتحوَّل إلى أُسطورة مُقاومة. إنَّه لا يُقَدِّم الضحيةَ بوصفها كائنًا منكسرًا، بلْ بوصفها قوةً أخلاقية تتفوَّق على جَلَّادها.

     في المقابل، كانَ ماياكوفسكي مُنحازًا إلى الإنسان البسيط الذي سحقته الأنظمةُ الطبقية القديمة. لقدْ حَلُمَ بعالَم جديد أكثر عدالة، ورأى في الثَّورةِ البُلشفية خَلاصًا جَماعيًّا للإنسان. لذلك جاءتْ قصائده مملوءة بالعُمَّالِ والفقراء والجماهير الثائرة.

     وهُنا تتجلى نقطةُ الالتقاء الكُبرى بين الشاعرَيْن: كِلاهما مُنحاز إلى الإنسان المقهور، ويَعتبر الشعرَ جُزءًا من معركة التحرُّر.

     ورغم القوةِ الظاهرة في شِعرهما، فإنَّ المُتأمل العميق يكتشف أنَّ النبرة الثَّوْرية عند الشاعرَيْن تُخْفي جُرحًا داخليًّا هائلًا.

     القاسم، خلف صَوته الصُّلب، كانَ يَحمل ألَمَ المنفى الداخلي والخوف على الهُوية الفِلَسطينية مِنَ المَحْو. لذلك تَظهر في بعض نُصوصه مساحاتٌ من الحُزن والتأمل والقلق الوجودي.

     أمَّا ماياكوفسكي، فرغم صُراخه الثوري العنيف،فقدْ عاشَ صِراعًا نَفْسِيًّا عميقًا بين أحلامِ الثَّوْرة وواقعِ الحياةِ القاسي. كانَ يؤمن بالمستقبل، لكنَّه كان يشعر أيضًا بِوَحدة قاتلة، وانكسارٍ داخلي، انتهى بمأساة شخصية مؤلمة.

     ومِن هُنا فإنَّ الثورة في شِعرهما لَيست مُجرَّد موقف سياسي، بلْ تجربة إنسانية مُعقَّدة تمتزج فيها القوةُ بالألم ، والأملُ بالخَيْبَة، والحُلْمُ بالخسارة.

كاتب من الأردن

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الحصيلة التشريعية 2021-2026 بين التطورات القانونية والاختلالات السياسية

14 يوليو 2026 - 10:23 م

عقد مجلس المستشارين يوم الاثنين 13 يوليوز 2026 جلستين عامتين: الأولى تشريعية للتصويت على النصوص القانونية الجاهزة، والثانية خصصت لاختتام

الفساد الإداري في مناقشة الأطروحات: حين تتحول الخبرة العلمية إلى مجاملة مصلحية

14 يوليو 2026 - 1:44 ص

لم تعد بعض مظاهر الفساد داخل الجامعة مرتبطة فقط بالتوظيف أو المباريات أو تدبير الموارد، بل امتدت أحياناً إلى فضاءات

المغرب نحو 2030: حين تتحول المفاجأة إلى مشروع دولة

13 يوليو 2026 - 11:11 ص

انتهى مونديال 2026، وبقي السؤال الذي يهم الأمم أكثر من سؤال الفوز والخسارة: ماذا بعد؟ فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بما

كيف يفكر “الطريق الرابع” في الدولة في زمن التحديات والتحولات؟

13 يوليو 2026 - 11:08 ص

هذا مجرد جواب مختصر عن سؤال واحد من بين عشرات الأسئلة التي أتلقاها من أصدقاء وفاعلين يرغبون في فهم رؤية

امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي

12 يوليو 2026 - 10:01 م

الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح  تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°