مرة أخرى، تكشف المقاربة الأمريكية تجاه إيران عن فجوة عميقة بين منسوب التهديد المعلن وحدود الفهم الحقيقي لتعقيدات الواقع الإيراني.
ويظهر ذلك جليا من خلال التقرير الذي نشره موقع “أكسيوس” حول تريث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اتخاذ قرار توجيه ضربة عسكرية إلى طهران، وهذا التقرير الذي ترجمته جرائد ومواقع عربية، لا يعكس فقط حالة تردد ظرفية داخل البيت الأبيض، بل إنه، في رأينا، يسلط الضوء على إشكال أعمق يتصل بشكل مباشر بطبيعة القراءة الأمريكية لإيران كنظام ومجتمع ودولة.
صحيح أن التقرير يتحدث عن مشاورات داخلية، وتحركات عسكرية احترازية، ورسائل ردع متبادلة، إلا أن جوهر المشهد يتجاوز الحسابات التقنية لتوقيت الضربة أو حجمها، لأن الإدارة الأمريكية، وبالرغم من امتلاكها واحدة من أضخم منظومات الاستخبارات ومراكز التفكير والتحليل في العالم، بدت وكأنها تبني قراراتها على تصورات مبسطة وسطحية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني بالضغط أو بالضربة المحدودة، أو حتى عبر الرهان على احتجاجات داخلية.
التهديد بوضع “الإصبع على الزر” قد يكون فعالا وذا جدوى في منطق الردع البلاغي، لكنه يفقد معناه حين يصطدم بواقع دولة ذات بنية سياسية وأمنية وعقائدية جد معقدة، لا تشبه نماذج سابقة راهنت عليها واشنطن في المنطقة من قبيل العراق مثلا.
وتجدر الإشارة إلى أن إيران ليست مجرد نظام يمكن عزله عن مجتمعه، ولا مجرد سلطة يمكن إسقاطها بضربة خاطفة، بل كيان سياسي عقائدي متماسك تاريخيا، أضف إلى ذلك أنه متعدد الطبقات تتداخل فيه الدولة مع المؤسسة الدينية، ويتماهى الجيش مع العقيدة، وتترابط السياسة مع الذاكرة القومية الفارسية.
ويبدو أن اعتماد ترامب إلى حد بعيد على تقديرات إسرائيلية، وأيضا على وعود ضمنية بإمكانية نسف النظام من الداخل عن طريق الاحتجاجات وضع الإدارة الأمريكية في مأزق التوقعات غير الواقعية.
مضافا إلى ذلك أن الرهان على الاحتجاجات لم يحقق انتظارات الإدارة الأمريكية، لأن المعارضة الداخلية لم تكن مؤطرة سواء المعارضة الداخلية أو الخارجية، ما يجعلها قادرة على تقديم بديل حقيقي كما تشتهي الإدارة الأمريكية، وهكذا بدأت حدود “فن الممكن” تتكشف، وتراجعت حدة التهديدات لصالح خطاب حذر.
الأهم من ذلك أن تحذيرات قوى إقليمية وازنة، مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان، من أن أي مغامرة عسكرية قد تفتح أبواب فوضى إقليمية واسعة، أعادت التذكير بأن كلفة التدخل في إيران لن تكون محصورة داخل حدودها وحسب، بل إن ارتداداتها قد تطال الأمن الإقليمي وحركة اللاجئين، والتوازنات الإثنية والسياسية في أكثر من دولة في المنطقة، وهو ما يجعل الحسابات العسكرية وحدها غير كافية لاتخاذ قرار مصيري بهذا الحجم.
من هنا، لا يمكن قراءة تردد ترامب فقط بوصفه تراجعا تكتيكيا، بل باعتباره اعترافا غير مباشر بحدود القوة حين لا تكون مسنودة بفهم عميق للواقع، لأن السياسة الخارجية لا تُدار بالانطباعات ولا بالرهانات السياسية المتسرعة، بل بالفهم أولا الذي لا يتأتى إلا بالمعرفة الدقيقة بالسياق العام، وبالقدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو متخيل.
وختاما، يمكن أن نذهب إلى أن الخيار العسكري ضد طهران لا يزال مطروحا على طاولة الإدارة الأمريكية، لكنه سيظل، في نفس الآن، امتحانا صارخا لمدى قدرة الولايات المتحدة على الانتقال من منطق التهديد إلى منطق الفهم، ومن استعراض القوة إلى إدارة التعقيد.






تعليقات الزوار ( 0 )