في لحظة دولية وإقليمية تتسم بكثير من الغموض والتحولات المتسارعة، نظمت جريدة “الشعاع الجديد” ندوة فكرية بعنوان “إلى أين يسير العالم بعد الحرب في الشرق الأوسط؟“ بمشاركة إدريس هاني الباحث في الشؤون الإيرانية والمفكر المغربي، ود سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وأحمد بابانا العلوي الباحث في الفكر السياسي ، وذلك من أجل قراءة تداعيات المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، واستشراف مآلات المنطقة والعالم في ضوء التحولات الجيوسياسية الجارية.
الندوة التي سيرها الإعلامي والباحث نور الدين لشهب انطلقت من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الأخيرة لم تعد مجرد مواجهة مرتبطة بالملف النووي الإيراني أو بأمن إسرائيل، بل تحولت إلى حدث مفصلي يطرح أسئلة تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط وموقع القوى الإقليمية الكبرى، فضلاً عن مستقبل النظام الدولي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.
إدريس هاني: إيران خرجت من الحرب أكثر قوة وأقرب إلى موقع اللاعب الجيوستراتيجي
الباحث والمفكر إدريس هاني اعتبر أن القراءة السطحية للحرب لا تكفي لفهم ما جرى، موضحاً أن المواجهة الأخيرة ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بالتحولات الحضارية والجيوسياسية التي يعرفها العالم. وأكد أن إيران لم تخرج من هذه المواجهة منهكة أو معزولة كما كان يراهن خصومها، بل خرجت أكثر تماسكاً على المستوى الداخلي وأكثر حضوراً على المستوى الإقليمي.

وأوضح هاني أن أحد الأهداف الأساسية للحرب كان إضعاف الدولة الإيرانية وتفكيك نسيجها الاجتماعي وإحداث شرخ بين المجتمع ومؤسسات النظام، غير أن النتيجة جاءت معاكسة. فبدل تفكك الجبهة الداخلية، شهدت إيران حالة تعبئة وطنية واسعة أعادت ترميم العلاقة بين المجتمع والدولة، بل دفعت حتى بعض المعارضين إلى الاصطفاف خلف فكرة الدفاع عن الوطن في مواجهة التهديد الخارجي.
واعتبر أن ما حدث يمثل تحولاً مهماً في موقع إيران داخل المعادلة الإقليمية، إذ انتقلت من مجرد “محور جيوسياسي” إلى “لاعب جيوستراتيجي” قادر على التأثير في التوازنات الكبرى، مستشهداً بما أظهرته الحرب من قدرات تقنية وصاروخية وسبرانية، وبما كشفته من محدودية قدرة القوة العسكرية وحدها على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة.
كما شدد على أن أحد المكاسب الكبرى التي حققتها إيران يتمثل في ما سماه “القوة الناعمة”، مشيراً إلى أن صور الدمار والحصار في غزة وما رافقها من تعاطف شعبي واسع مع القضية الفلسطينية ساهمت في تعزيز صورة إيران داخل جزء مهم من الرأي العام العربي والإسلامي باعتبارها طرفاً يواجه المشروع الإسرائيلي. واعتبر أن هذه الجاذبية الرمزية والسياسية ستكون أحد العوامل المؤثرة في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي قراءته للمفاوضات الجارية، رأى هاني أن ما يجري ليس نهاية للصراع بل انتقال له إلى مستويات أخرى، معتبراً أن الحرب العسكرية قد تتوقف لكن الصراع الجيوسياسي سيستمر بأشكال مختلفة، وأن إيران ستسعى إلى استثمار ما حققته من مكاسب من أجل تثبيت موقعها داخل الترتيبات الإقليمية المقبلة.
أحمد بابا العلوي: نحن أمام لحظة تغيير حضاري وليست مجرد أزمة سياسية
من جهته، قدم الباحث في الفكر السياسي أحمد بابا العلوي مقاربة مختلفة ركزت على البعد الحضاري للتغيرات الجارية، معتبراً أن العالم لا يعيش مجرد أزمة دولية عابرة، بل يعيش لحظة انتقال تاريخية كبرى تشبه التحولات التي عرفها النظام الدولي بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وأوضح العلوي أن الحرب الأخيرة ينبغي فهمها في سياق أوسع يرتبط بأزمة النموذج الغربي وبداية تشكل نظام عالمي جديد لم تعد فيه الولايات المتحدة الفاعل الوحيد القادر على التحكم في مسارات السياسة الدولية. واستشهد بعدد من المفكرين والاستراتيجيين الغربيين الذين تحدثوا عن دخول العالم مرحلة انتقالية تتراجع فيها الأحادية القطبية لصالح تعددية في مراكز القوة والنفوذ.
ورأى أن الولايات المتحدة ما زالت القوة الدولية الأولى، لكنها لم تعد تمتلك القدرة نفسها التي كانت تمتلكها خلال عقد التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، موضحاً أن صعود الصين وتنامي أدوار قوى إقليمية جديدة يفرضان واقعاً مختلفاً عن المرحلة السابقة.
وبخصوص الحرب على إيران، اعتبر العلوي أنها ليست مجرد معركة عسكرية، بل جزء من صراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي والدولي المقبل. وأشار إلى أن طهران تدرك أنها تخوض معركة وجود وموقع داخل النظام الذي يتشكل، وهو ما يفسر حجم التعبئة السياسية والعسكرية التي رافقت المواجهة.
كما خصص جزءاً مهماً من مداخلته للحديث عن إسرائيل، معتبراً أن مستقبلها مرتبط إلى حد كبير بالتحولات التي ستعرفها المنطقة خلال العقود المقبلة. وأوضح أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بقدرة إسرائيل على تحقيق تفوق عسكري، بل بقدرتها على الاندماج داخل محيط إقليمي يشهد تحولات عميقة. وأضاف أن المنطقة قد تكون مقبلة على إعادة تشكيل واسعة تتجاوز الحدود والتحالفات التي تشكلت خلال القرن العشرين.
وفي رؤيته لمستقبل المنطقة، رجح العلوي أن يتعزز حضور التكتلات الحضارية الكبرى، معتبراً أن العالم الإسلامي يمتلك مقومات ديموغرافية وثقافية واستراتيجية تؤهله للعب دور أكبر في النظام الدولي المقبل إذا تمكن من استثمار عناصر القوة المتاحة له.
سعيد الصديقي: أمريكا لم تتراجع بعد وإيران وإسرائيل ستظلان فاعلين أساسيين
أما أستاذ العلاقات الدولية سعيد الصديقي فقدم قراءة أكثر قرباً من المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، مؤكداً أن الحرب الأخيرة أحدثت تحولات مهمة لكنها لم تصل بعد إلى درجة تغيير قواعد النظام الدولي القائم.

وأوضح الصديقي أن الحديث عن أفول كامل للولايات المتحدة أو نهاية النظام الدولي الحالي يبقى سابقاً لأوانه، مشيراً إلى أن واشنطن ما تزال تمتلك عناصر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية تجعلها الفاعل الأكثر تأثيراً في النظام الدولي. وأضاف أن الحديث عن عالم متعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة نهاية الدور الأمريكي، بل يشير إلى تراجع نسبي في مستوى الهيمنة مقارنة بما كان عليه الوضع بعد نهاية الحرب الباردة.
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، اعتبر الصديقي أن الفاعلين الأساسيين الذين كانوا مؤثرين قبل الحرب سيظلون مؤثرين بعدها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وتركيا ودول الخليج. وأوضح أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بمختلف الأطراف، لكنها لم تؤد إلى إخراج أي طرف رئيسي من المعادلة الإقليمية.
ورأى أن إيران استطاعت الحفاظ على موقعها كفاعل إقليمي مهم، وأن إسرائيل بدورها ستبقى رقماً أساسياً في المعادلة، رغم ما تواجهه من انتقادات متزايدة بسبب سياساتها في غزة والمنطقة. كما أشار إلى أن تركيا مرشحة لتعزيز حضورها الإقليمي خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التطورات التي تشهدها الساحة السورية.
وتوقف الصديقي عند موقع الدول العربية في هذه التحولات، معتبرا أن أكبر تحد يواجه المنطقة يتمثل في بناء منظومة أمن إقليمي قادرة على إدارة التوازنات بين مختلف القوى الفاعلة. وأوضح أن العلاقات العربية الإيرانية تحتاج إلى مقاربة جديدة تقوم على إدارة المصالح المشتركة وتجاوز الصور النمطية المتبادلة التي ساهمت لعقود في تغذية التوتر وعدم الثقة.
كما حذر من أن إضعاف إيران بشكل كامل لن يكون بالضرورة في مصلحة الدول العربية، لأن ذلك قد يؤدي إلى اختلال التوازنات الإقليمية بشكل يمنح إسرائيل هامشاً أكبر للهيمنة على المنطقة. وفي المقابل، شدد على أن بناء علاقات مستقرة بين العرب وإيران لا يعني بالضرورة قيام تحالف سياسي أو عسكري، بل يمكن أن يتم عبر صيغ تعاون وتفاهمات إقليمية تحفظ مصالح الجميع.
بين نهاية الأحادية القطبية وبداية مرحلة جديدة

ورغم اختلاف المقاربات بين المتدخلين، فقد بدا واضحاً أن ثمة اتفاقا ضمنيا بينهم على أن الشرق الأوسط يعيش لحظة تحول كبرى ستترك آثارها على مستقبل المنطقة لعقود مقبلة. كما اتفقوا على أن الحرب الأخيرة أعادت طرح أسئلة كانت تبدو محسومة في السابق، من قبيل مستقبل الهيمنة الأمريكية، وموقع إيران في الترتيبات الإقليمية، ودور إسرائيل، ومستقبل التحالفات التقليدية التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.
وبينما رأى إدريس هاني أن إيران خرجت من الحرب أكثر قوة وتمكنت من فرض نفسها لاعباً جيوستراتيجياً، واعتبر أحمد بابا العلوي أن العالم يعيش بداية تحول حضاري عميق، ذهب سعيد الصديقي إلى أن التغييرات الجارية ما تزال تندرج ضمن إطار النظام الدولي القائم ولم تصل بعد إلى مستوى القطيعة التاريخية الكاملة معه.
ومع ذلك، أجمع المتدخلون على أن المنطقة لن تعود كما كانت قبل الحرب، وأن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل الشرق الأوسط الجديد وموقعه داخل النظام الدولي الذي تتشكل ملامحه تدريجياً أمام أعين العالم.



تعليقات الزوار ( 0 )