في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسبانيا على خلفية استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في العمليات المرتبطة بالشرق الأوسط، عاد الحديث مجددا عن احتمال البحث عن بدائل استراتيجية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وسط تداول اسم القاعدة البحرية المغربية في القصر الصغير قرب طنجة كخيار محتمل لاستضافة قطع من الأسطول الأمريكي.
وبرز هذا السيناريو بعد مغادرة طائرات تابعة للجيش الأمريكي قاعدتي روتا ومورون في جنوب إسبانيا، عقب رفض الحكومة الإسبانية السماح باستخدامهما في عمليات عسكرية مرتبطة بالضربات ضد إيران، ما أعاد طرح تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الأراضي الإسبانية.
القصر الصغير… موقع استراتيجي على مضيق جبل طارق
وتعد القاعدة البحرية في القصر الصغير، الواقعة قرب ميناء طنجة على مضيق جبل طارق، أكبر منشأة بحرية في المغرب. ويمنح موقعها الجغرافي في أضيق نقطة من المضيق أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يسمح بمراقبة حركة الملاحة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.
وقد جرى تصميم القاعدة لاستقبال فرقاطات متطورة من فئتي “سيغما” و“فريم”، ما يعزز القدرات العملياتية للبحرية الملكية المغربية، ويجعلها منصة عسكرية متقدمة قادرة على لعب أدوار إقليمية متزايدة في الأمن البحري.
وبحسب تقارير إسبانية فإن هذه البنية التحتية، إلى جانب الموقع الجغرافي الحساس، قد تجعل القاعدة خيارا نظريا لاستقبال سفن أمريكية في حال حدوث تغيير كبير في تموضع القوات الأمريكية في المنطقة.
استثمارات أمريكية ضخمة تعقّد فكرة الانتقال
ورغم الحديث المتكرر عن احتمال نقل جزء من النشاط العسكري الأمريكي إلى المغرب، فإن التقارير تؤكد أن هذا السيناريو يظل معقدا للغاية على المستوى العملي.
فالولايات المتحدة استثمرت مئات ملايين الدولارات خلال السنوات الأخيرة في تطوير قاعدة روتا الإسبانية، التي أصبحت مجهزة منذ عقود لاستقبال السفن الحربية الأمريكية وتوفير الدعم اللوجستي الكامل لها.
ولا يقتصر دور القاعدة على إيواء السفن فقط، بل تشمل منظومة متكاملة من البنية التحتية العسكرية والخدماتية، بما في ذلك مرافق الإمداد والصيانة والسكن الخاص بالعسكريين وعائلاتهم، وهو ما يجعل نقل هذا النظام إلى موقع آخر عملية طويلة ومكلفة.
جذور النقاش تعود إلى سنوات سابقة
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن الحديث عن القاعدة المغربية ليس جديدا بالكامل، إذ سبق أن أشارت تقارير إعلامية منذ عام 2020 إلى وجود نقاشات غير رسمية حول إمكانية استقبال سفن أمريكية في القصر الصغير.
كما جرى الحديث عن “مفاوضات متقدمة”، غير أن هذه الفرضية تراجعت لاحقا بعد تجديد الاتفاق العسكري بين واشنطن ومدريد، والذي سمح بزيادة عدد السفن الأمريكية في قاعدة روتا، ما أعاد تثبيت الدور المركزي لإسبانيا في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية بالمنطقة.
اتفاقية روتا… إطار قانوني معقد
وينظم استخدام قاعدة روتا اتفاق ثنائي بين إسبانيا والولايات المتحدة يعود إلى عام 1988، وهو تحديث لاتفاقيات مدريد الموقعة سنة 1953.
وينص الاتفاق على أن أي عملية عسكرية أمريكية مهمة تنطلق من القاعدة تتطلب موافقة مسبقة من الحكومة الإسبانية، وهو ما يفسر التوتر الحالي بعد رفض مدريد استخدام القاعدة في العمليات ضد إيران.
كما يخضع العسكريون الأمريكيون في روتا لنظام قانوني خاص يتيح لواشنطن إدارة الانضباط الداخلي لقواتها، مع بقائهم في إطار القانون الإسباني والتزامات حلف شمال الأطلسي.
المغرب… لاعب جيوسياسي صاعد
في المقابل، يعزز المغرب خلال السنوات الأخيرة حضوره الجيوسياسي في غرب المتوسط، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي واستثماراته الكبيرة في البنية التحتية العسكرية والمينائية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط.
ويرى التقرير أن الرباط تسعى إلى توسيع دورها في منظومة الأمن البحري الإقليمي، ما يجعل منشآتها العسكرية، مثل قاعدة القصر الصغير، عنصرًا مهمًا في معادلات التوازن الجيوسياسي في المنطقة.
ومع ذلك، يؤكد أن أي تحول كبير في تموضع القوات الأمريكية من إسبانيا إلى المغرب سيظل رهينا بقرارات سياسية واستراتيجية معقدة، تتجاوز مجرد توفر قاعدة بحرية قادرة على استقبال السفن الحربية.
وأشار التقرير إلى أن مستقبل الوجود الأمريكي في غرب المتوسط يبقى مفتوحا على عدة احتمالات، فيما يواصل المغرب تعزيز موقعه كفاعل إقليمي مؤثر في المعادلات الأمنية للمنطقة.




تعليقات الزوار ( 0 )