لم يعد الصراع في المدينة المعاصرة يدور فقط حول الولوج إلى الموارد أو الخدمات، بل أصبح يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تنتقل من المطالبة بـ “الحق في المدينة” كما بلوره Henri Lefebvre، إلى التنافس حول “الحق في الدِّين” داخل الفضاء العمومي، وصولاً إلى مستوى أكثر تجسيداً يتمثل في “الحق في حائط المدينة”؛ أي الحق في ترسيم الحضور الرمزي والمادي على واجهات الفضاء الحضري.
فالمدينة، في هذا المنظور، ليست فقط مجالاً مادياً، بل هي “حقل” بالمعنى الذي يحدده Pierre Bourdieu، حيث تتصارع فئات وفاعلون يمتلكون رؤوس أموال مختلفة (اقتصادية، اجتماعية، رمزية) من أجل فرض تعريفهم المشروع للواقع. وفي هذا الحقل، لا تُمارَس الهيمنة فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر “العنف الرمزي”، أي القدرة على فرض معانٍ تُستبطن كشرعية حتى من قبل الخاضعين لها، مما يضمن إعادة إنتاج نفس البنيات الاجتماعية داخل المجال الحضري.
إن ما شهدته مراكش من تتابع للطقوس الدينية في نفس الفضاء من “صلاة اليهود إلى صلاة المسلمين” يمكن قراءته ليس فقط كدليل على التعدد، بل كصراع على احتكار “الشرعية الرمزية” للفضاء العمومي. هنا يتحول الدين إلى رأس مال رمزي يُستثمر لفرض الحضور والاعتراف، في سياق يتزايد فيه التنافس حول “الحق في الظهور” أو “الحق في الصورة”، بما يعكس انتقالاً دقيقاً من سؤال الولوج إلى الفضاء إلى سؤال من يملك حق تمثيله وتأويله.
غير أن هذا الصراع لا يحدث خارج الأطر القانونية، بل يتقاطع بشكل مباشر مع منظومة الحقوق والحريات كما يؤطرها دستور المغرب 2011، الذي يضمن حرية ممارسة الشؤون الدينية في إطار احترام النظام العام، ويقرّ بحقوق أساسية مرتبطة باستعمال الفضاء العمومي. غير أن هذه الضمانات تظل مشروطة بآليات التأويل والتطبيق، ما يجعلها بدورها موضوع صراع داخل “الحقل القانوني” نفسه.
فالحق في الفضاء العمومي ليس حقاً مطلقاً، بل هو حق مُنَظَّم عبر قوانين التعمير، وقرارات السلطات المحلية، واختصاصات الجماعات الترابية التي يحددها القانون التنظيمي للجماعات الترابية. وهنا تتجلى مفارقة أساسية: فبينما يُفترض أن تضمن هذه القوانين تكافؤ الولوج إلى الفضاء، فإنها قد تتحول، في الممارسة، إلى أدوات لإعادة إنتاج التفاوتات، عبر انتقائية التطبيق أو خضوعه لتوازنات القوى المحلية.
وبهذا المعنى، فإن السياسات الحضرية والجهوية لا تكتفي بتنظيم المجال، بل تساهم في إعادة تشكيله وفق منطق الهيمنة، سواء من خلال منح الامتيازات لبعض الفاعلين (مقاولون، منعشون عقاريون، نخب سياسية) أو من خلال ضبط أشكال التعبير داخل الفضاء العمومي. وهنا يلتقي القانوني بالسوسيولوجي: فالعنف الرمزي لا يُمارَس فقط عبر الخطاب، بل أيضاً عبر القواعد التي تبدو محايدة، لكنها تُنتج آثاراً غير متكافئة.
في هذا السياق، يظهر “حائط المدينة” كأحد أكثر تجليات هذا التداخل وضوحاً: فهو ليس مجرد سطح مادي، بل مجال يخضع بدوره لتنظيم قانوني (قوانين الإشهار، حماية الملك العمومي، الضبط الحضري)، وفي الوقت نفسه يشكل ساحة مفتوحة لصراعات رمزية غير رسمية. من يملك حق الكتابة على الحائط؟ من يملك الحق في الصلاة أمامه؟ من يحدد ما هو مشروع وما هو غير مشروع؟ ومن يملك سلطة المحو؟ إنها أسئلة تكشف عن تداخل العنف الرمزي مع السلطة القانونية في إنتاج المجال الحضري.
ويزداد هذا الوضع تعقيداً مع ضعف أدوار التنشئة الاجتماعية، وتراجع موقع المثقف النقدي داخل الحقل العمومي، كما أشار Alain Touraine، حيث يؤدي غياب وسائط نقدية قادرة على تفكيك هذه الآليات إلى ترسيخها بدل مساءلتها. وهكذا تتحول المدينة إلى فضاء يُعاد فيه إنتاج نفس البنيات، ولكن تحت غطاء قانوني ورمزي يُضفي عليها طابع المشروعية.
إن “الطريق الرابع”، في هذا الأفق، لا يمكن أن يظل خطاباً معيارياً حول العيش المشترك، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع لإعادة توزيع السلطة داخل الحقل الحضري، مادياً ورمزياً وقانونياً. أي إعادة التفكير في كيفية ضمان الحق في الفضاء العمومي، ليس فقط كحق في الاستعمال، بل كحق في المشاركة في تعريف قواعد هذا الاستعمال.
فالرهان اليوم لم يعد فقط في ضمان “الحق في المدينة”، بل في تفكيك الشروط التي تحول هذا الحق إلى امتياز، وفي بناء إطار قانوني ومؤسساتي يضمن الاعتراف المتبادل داخل الفضاء الحضري. من هنا، يصبح الانتقال من “الحق في المدينة” إلى “الحق في الدِّين” ثم إلى “الحق في حائط المدينة” تعبيراً عن تعمق الصراع، وعن الحاجة إلى إعادة تأسيس العيش المشترك على قاعدة توازن بين الحرية والتنظيم، وبين الاعتراف والعدالة.
*مؤسس الطريق الرابع






تعليقات الزوار ( 0 )