شهد الاقتصاد المغربي خلال السنة الماضية مؤشرات أداء لافتة، بعدما سجل نمواً قوياً مدفوعاً بحركية قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات، في سياق أشادت به بعثة صندوق النقد الدولي عقب اختتام مشاوراتها الأخيرة، وهذا التقييم الدولي أظهر أيضاً تحسناً في التوازنات المالية، مع تراجع عجز الميزانية واستقرار نسبي في معدلات التضخم، ما يعكس قدرة الاقتصاد على امتصاص الضغوط واستعادة دينامية النمو.
وهذا التقدير الإيجابي يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول استدامة هذا المسار في ظل رهانات اجتماعية وهيكلية متشابكة، حيث تبدو التوصيات المرتبطة بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتسريع الإصلاحات كاختبار حقيقي للمرحلة المقبلة، وبين مؤشرات الانتعاش ومتطلبات التحول، يبرز تساؤل حول مدى قدرة هذا الزخم على التحول إلى نمو أكثر شمولاً، وما إذا كانت الإصلاحات المرتقبة كفيلة بتثبيت المكاسب وتوسيع آثارها.
-تعافٍ هش
يرى رشيد الساري، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن وصف المرحلة الحالية بالتعافي الهيكلي قد يكون مبالغاً فيه، لأن جزءاً كبيراً من التحسن المسجل يرتبط بقطاعات تتأثر بعوامل خارجية يصعب التحكم فيها.
وأبرز الشاوي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن القطاع الفلاحي، رغم مساهمته في دعم النمو، يظل رهيناً بالتقلبات المناخية، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الجفاف امتدت لنحو سبع سنوات، ما يجعل الاعتماد على نتائج موسم واحد أمراً غير كافٍ لبناء استنتاجات استراتيجية.
وأضاف أن هشاشة هذا القطاع تعني أن أي انتكاسة مناخية يمكن أن تعيد طرح نفس الإشكالات المرتبطة بالإنتاج والدخل القروي والتوازنات الاقتصادية، لذلك فإن القراءة الواقعية للأرقام تستوجب التعامل معها كمرحلة انتعاش ظرفي، لا كمؤشر نهائي على تحول بنيوي عميق.
وأردف أن قطاع البناء يرتبط انتعاشه الحالي بدينامية استثنائية مرتبطة بالأوراش الكبرى والتحضيرات طويلة الأمد للتظاهرات الدولية، متوقعًا أن يستمر هذا النشاط إلى حدود سنة 2029، وهو أفق زمني مرتبط باستكمال مشاريع كبرى.
ولفت الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أن هذا الزخم الحاصل اليوم يظل مؤقتاً بطبيعته، ما يطرح وفقه سؤال الاستمرارية بعد انتهاء هذه الدورة الاستثمارية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 .
-قطاعات المستقبل
لتجاوز الطابع الظرفي للنمو، يشدد الساري على ضرورة الانفتاح على قطاعات جديدة قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، مؤكدًا أن المغرب راكم بالفعل خبرة مهمة في مجالات مثل البنية المينائية وصناعة السيارات، وهي مكتسبات يجب تثمينها وتطويرها ضمن رؤية صناعية طويلة المدى.
وغير أن التحول الحقيقي في نظره، يمر عبر الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة، باعتبارها قطاعاً عالمياً صاعداً يخلق الثروة ويعزز الاستقلال الطاقي، لافتاً إلى أن انخراط المغرب في هذا المجال يشكل قاعدة واعدة، لكنه يحتاج إلى تسريع وتيرة المشاريع وربطها بسلاسل إنتاج صناعية محلية.
ويضع الخبير الاقتصادي المجال الرقمي في صلب أي استراتيجية اقتصادية مستقبلية، مشيراً إلى أن الاستثمار فيه يتمتع بمردودية مرتفعة، حيث يمكن لكل دولار مستثمر أن يحقق عوائد مضاعفة.
وشدد على أن الرقمنة لا تعني فقط التكنولوجيا، بل تشمل تحديث الإدارة، وتحفيز الابتكار، وخلق أنشطة اقتصادية جديدة ذات قيمة عالية.
-الاستثمار والتنمية
يؤكد الساري أن تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي لا يمر فقط عبر رفع نسب النمو، بل عبر تحويل هذا النمو إلى تنمية حقيقية، فالتنمية في نظره، هي المؤشر الأهم لقياس جودة السياسات الاقتصادية، لأنها تعكس أثرها المباشر على المجتمع.
ويثير في هذا السياق مسألة حجم الاستثمارات العمومية، التي تمثل نسبة مهمة من الناتج الداخلي الخام، دون أن يواكبها انعكاس واضح على سوق الشغل أو على خلق قيمة مضافة مستدامة.
وهذا الوضع القائم بحسب الساري، يستوجب بشكل عاجل مراجعة فلسفة الاستثمار نفسها، بحيث يصبح موجهاً نحو نتائج قابلة للقياس.
وشدد على أن أي استثمار يجب أن يكون مرتبطاً بعائدات واضحة ومؤشرات أداء دقيقة، بدل الاكتفاء بضخ ميزانيات ضخمة دون تقييم حقيقي للأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار الخبير والمحلل الاقتصادي إلى أن نجاعة الإنفاق الاستثماري هي ما يضمن تحويل الموارد إلى محركات تنموية فعلية.
-رهان المقاولات
فيما يتعلق بخلق فرص الشغل، يرى الساري أن التركيز المفرط على الاستثمارات الأجنبية أو المشاريع العملاقة لا يكفي لضمان دينامية تشغيل واسعة، مبرزاً أن المحرك الحقيقي لسوق الشغل يظل القطاع الخاص المحلي، خاصة المقاولات الصغرى والصغرى جداً والمقاولات الناشئة.
وهذه الفئة من المقاولات تحتاج بحسبه، إلى منظومة دعم متكاملة تشمل التمويل والمواكبة والتكوين، بما يسمح لها بالنمو والاستمرارية، مشددًا على أنه بدون تقوية هذا النسيج الاقتصادي، سيظل خلق فرص الشغل محدوداً وغير قادر على استيعاب الطلب المتزايد.
واعتبر أن مستقبل هذه المقاولات يرتبط بالتوجه نحو قطاعات الخدمات والاقتصاد الرقمي، إضافة إلى الأنشطة المرتبطة بالسياحة ووكالات الأسفار، خاصة في ظل الاستحقاقات الدولية المقبلة،
ولفت الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا والرقمنة يشكل الضمان الأساسي لاستدامة النمو وتحويله إلى فرص اقتصادية حقيقية، وبناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً وابتكاراً.
ونبه إلى أن التحدي لا يكمن في الحفاظ على زخم مؤقت، بل في تحويله إلى مسار تنموي طويل الأمد، قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وضمان توازن اقتصادي واجتماعي مستدام.




تعليقات الزوار ( 0 )