أصبحت أزمة التعليم في المغرب اليوم واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً، ليس فقط بسبب انعكاساتها الاجتماعية، بل أيضاً بسبب آثارها الاقتصادية والتنموية بعيدة المدى. فنتائج دراسة TIMSS الخاصة بتقييم مستوى التلاميذ في الرياضيات والعلوم أعادت دق ناقوس الخطر حول واقع المدرسة المغربية، بعدما أظهرت استمرار المغرب في المراتب المتأخرة عالمياً، رغم عقود من الإصلاحات ومليارات الدراهم التي صُرفت على القطاع. هذه النتائج لا تعني فقط ضعف مستوى التلاميذ، بل تكشف أزمة بنيوية تمس جودة الرأسمال البشري وقدرة المدرسة على إنتاج الكفاءات الضرورية للاقتصاد الحديث.
تشير نتائج TIMSS الأخيرة إلى أن المغرب حصل على معدلات تقل بكثير عن المتوسط الدولي المحدد في 500 نقطة. ففي الرياضيات، سجل التلاميذ المغاربة مستويات تدور حول 370 إلى 390 نقطة حسب المستويات الدراسية، بينما تجاوزت دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان حاجز 600 نقطة. حتى مقارنة ببعض الدول العربية والإفريقية، لا يزال المغرب يعاني من فجوة واضحة في جودة التعلمات الأساسية. الأخطر من ذلك أن نسبة مهمة من التلاميذ المغاربة لا تصل حتى إلى الحد الأدنى من الكفايات الأساسية، ما يعني وجود أزمة تعلم حقيقية داخل المدرسة العمومية.
هذه الأرقام تعكس واقعاً يومياً تعيشه المنظومة التعليمية. فحسب معطيات رسمية، يتجاوز معدل الاكتظاظ في بعض المؤسسات العمومية 40 تلميذاً في القسم، بينما تصل النسبة في بعض المناطق الحضرية الهامشية إلى أكثر من 50 تلميذاً. كما يعاني العالم القروي من خصاص حاد في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، إذ لا تزال آلاف المؤسسات التعليمية تفتقر إلى مختبرات العلوم أو الوسائل الرقمية الضرورية. إضافة إلى ذلك، فإن نسبة مهمة من التلاميذ في الوسط القروي تعاني من صعوبات الولوج اليومي إلى المدرسة، ما يرفع معدلات الهدر المدرسي بشكل خطير.
وتكشف بيانات World Bank أن معدل سنوات التمدرس الفعلية المعدلة حسب جودة التعلم في المغرب يبقى أقل بكثير من المعدلات المسجلة في الدول الصاعدة. فبينما يقضي التلميذ المغربي نظرياً سنوات طويلة داخل المدرسة، فإن مستوى التعلمات المكتسبة فعلياً يظل ضعيفاً مقارنة بالمعايير الدولية. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالولوج إلى التعليم، بل بجودة التعليم نفسه. فالتلميذ قد يقضي سنوات داخل المنظومة دون اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والرياضيات والتفكير العلمي.
كما أن أزمة التعليم بالمغرب ترتبط أيضاً بضعف الاستثمار الفعال في الرأسمال البشري. ورغم أن ميزانية قطاع التعليم تُعد من أكبر الميزانيات العمومية، إذ تتجاوز عشرات المليارات من الدراهم سنوياً، فإن مؤشرات المردودية تبقى محدودة. وتشير تقارير وطنية ودولية إلى أن جزءاً كبيراً من الإنفاق يذهب نحو التسيير والأجور، مقابل ضعف الاستثمار في الجودة البيداغوجية، والتكوين المستمر، والابتكار التربوي، والرقمنة. وفي المقابل، استطاعت دول آسيوية مثل سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية تحويل التعليم إلى رافعة استراتيجية للنمو عبر التركيز على جودة المدرسين، والصرامة الأكاديمية، وربط المدرسة بالاقتصاد والتكنولوجيا.
اقتصادياً، أصبحت أزمة التعليم تمثل تهديداً مباشراً للتنافسية المغربية. فالمقاولات اليوم تبحث عن يد عاملة مؤهلة قادرة على الاندماج في الاقتصاد الرقمي والصناعات الحديثة، بينما تشير عدة تقارير إلى وجود فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق الشغل. وتشير معطيات OECD إلى أن ضعف المهارات الأساسية يؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية والنمو والابتكار. ولذلك، فإن ضعف نتائج المغرب في اختبارات الرياضيات والعلوم لا يجب قراءته فقط من زاوية تربوية، بل أيضاً باعتباره مؤشراً اقتصادياً يعكس محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا.
من جهة أخرى، تعمق الفوارق الاجتماعية أزمة التعليم بشكل أكبر. فالأسر الميسورة تتجه بشكل متزايد نحو التعليم الخصوصي أو البعثات الأجنبية، بينما تبقى الفئات الهشة رهينة المدرسة العمومية المتعثرة. وتشير معطيات وطنية إلى توسع التعليم الخاص بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في المدن الكبرى، وهو ما يعكس تراجع الثقة في المدرسة العمومية. هذا الوضع يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، لأن جودة التعليم أصبحت مرتبطة أكثر بالقدرة الشرائية للأسر، لا فقط بالكفاءة أو الاستحقاق.
أما على مستوى الهدر المدرسي، فتظل الأرقام مقلقة للغاية. فآلاف التلاميذ يغادرون المدرسة سنوياً قبل إتمام التعليم الإعدادي أو الثانوي، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية. وترتبط هذه الظاهرة بعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها الفقر، وضعف النقل المدرسي، وبعد المؤسسات التعليمية، والهشاشة الأسرية. ويؤدي هذا الوضع إلى إعادة إنتاج البطالة والهشاشة الاجتماعية، خصوصاً في صفوف الشباب غير المؤهلين.
ورغم إطلاق برامج متعددة للإصلاح، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، فإن النتائج الميدانية ما تزال دون مستوى الطموحات. فالإصلاحات غالباً ما اصطدمت بضعف الحكامة، وتغيير الأولويات السياسية، وغياب الاستمرارية، إضافة إلى التركيز المفرط على الجوانب الإدارية بدل جودة التعلمات. كما أن إشكالية لغة التدريس، وتذبذب المناهج، وضعف التكوين المستمر للأساتذة، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة بدل تجاوزها.
اليوم، يبدو واضحاً أن المغرب أمام مفترق طرق حقيقي. فإما تحويل التعليم إلى أولوية وطنية استراتيجية مرتبطة بالنموذج التنموي الجديد، أو الاستمرار في إنتاج أجيال تعاني من ضعف الكفايات وصعوبة الاندماج في اقتصاد عالمي قائم على المعرفة والتكنولوجيا. إن نتائج TIMSS ليست مجرد ترتيب دولي، بل رسالة قوية حول مستقبل الرأسمال البشري المغربي. وفي عالم أصبحت فيه الثروة الحقيقية هي المعرفة، فإن أي تأخر تعليمي اليوم قد يتحول غداً إلى تأخر اقتصادي واجتماعي يصعب تداركه.
دكتور باحث واقتصادي






تعليقات الزوار ( 0 )