في نهاية أكتوبر من هذا العام لم يعلن المغرب عن عيد جديد فحسب، بل أعاد تشكيل جزء من وعيه الجمعي حين اختار الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر ليكون عيد الوحدة، فكان ذلك الحدث أشبه بفتح نافذة واسعة على الماضي والمستقبل معًا، كما لو أنّ الذاكرة الوطنية قررت في تلك اللحظة أن تتصالح مع تاريخها العميق، وأن تمنح نفسها لغة جديدة للتعبير عن معنى الوطن ومعنى الانتماء ومعنى المصير المشترك، فقد بدا المشهد وكأنّ الدولة تعثر بعد سنوات من التردد العالمي على اعتراف يلامس جوهر الحقيقة التي حملها المغاربة في وجدانهم منذ قرون، ومؤداها أنّ الوحدة ليست قرارًا سياسيًا فقط بل هي حالة وجودية تحكم علاقة الناس بأرضهم، وتحكم علاقة شعوب المنطقة ببعضها وتحكم إيقاع الزمن في شمال إفريقيا بأكملها.
وإذا كان القرار الأممي رقم 2797 قد شكل المنعطف الدبلوماسي الأكبر في تاريخ قضية الوحدة الترابية للمغرب، فإنّ العيد الجديد جاء ليمنح لهذا التحول بعده الإنساني العميق، فالقرارات الدولية مهما كانت قوتها لا تُصنع في الفراغ، فهذه القرارات كما يقول ديفيد إيستون هي استجابة لما يجري في أعماق المجتمعات أكثر مما هي مجرد نصوص قانونية، وهنا تحديدًا يصبح عيد الوحدة إعلانًا ليس عن إنجاز ديبلوماسي فحسب، بل عن انسجام نادر بين السياسة ووجدان الناس، وبين الحدث الخارجي والبنية الداخلية التي تشتغل داخل الإنسان دون أن يراها، وقد بدا القرار الأممي في نظر كثيرين وكأنه تجسيد لصوتٍ صامتٍ ظل يرافق تاريخ المنطقة، لأنه رغبةٌ جماعية في تجاوز التمزقات وبناء مصير واحد، ورغبة في العودة إلى تلك الجذور القديمة التي كانت توحد الناس قبل أن توجد الدول الحديثة أصلاً.
إن هذا العيد في عمقه ليس مناسبة احتفالية عابرة، بل هو محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع الماضي ومع الواقع ومع الجغرافيا، فالوحدة حين تتحول إلى عيد وطني تصبح قيمة كونية، وجزءًا من نظام الرموز الذي يشكل هوية الفرد والمجتمع، وهنا يبرز البعد الأعمق، وهو أن إعلان عيد للوحدة لا يتعلق فقط بوحدة التراب المغربي، بل يتجاوزها إلى وحدة الشعوب التي تجمعها ذاكرة واحدة وإن اختلفت أوطانها السياسية، ففي الخلفية ترتسم تلك الحقيقة التي يعرفها الناس بالفطرة قبل أن تدركها المؤسسات، وهي أن شمال إفريقيا فضاء واحد، وأن الإنسان الذي يعيش بين الرباط وتونس والجزائر وطرابلس ونواكشوط إنما ينتمي إلى نسيج ثقافي وروحي وتاريخي واحد، مهما حاولت السياسة في مراحل معينة أن تمزّقه.
ولعل تلك الحقيقة التي تستيقظ الآن تعيد للأذهان ما قاله ابن خلدون قبل قرون أن الناس في الأصل قبائل شتى يجمعهم الشعور الواحد، فهذه الجملة تبدو اليوم وكأنها مرآة لما يحدث في المنطقة، فالإنسان المغاربي رغم الجغرافيا السياسية الحديثة، ما زال يشعر بالحسّ الباطني ذاته، وأن الروابط بين شعوب المنطقة ليست روابط مصالح ظرفية، بل روابط قدر ومصير وتجربة تاريخية واحدة. ومن هنا يصبح القرار الأممي ليس انتصارًا للدبلوماسية فقط بل مكاشفة لحقيقة أعمق وهي أن ما يجمع شعوب المنطقة موجود في باطنها النفسي منذ زمن طويل، وأنه لا يحتاج إلا لاعتراف دولي ليخرج إلى العلن.
ومع إعلان هذا العيد أيضا جاء الخطاب الملكي كعنصر مكملا لهذه اللحظة، يحمل في طياته دلالة شديدة العمق وهي أن الوحدة تبدأ من الداخل قبل أن تتجسد في الخارج، فالخطاب الملكي ليس مجرد خطوة قانونية بل هو إشارة رمزية إلى أن المستقبل لا يبنى بالأحقاد، وأنّ المجتمع حين يمد يده يتقدم وحين يصفح يستعيد قدرته على الانسجام مع ذاته. وكأن الدولة تقول بطريقة هادئة ونافذة أنه لا وحدة بلا سلام داخلي ولا سلام داخلي بلا مصالحة، ولا مصالحة بلا اعتراف بأن الإنسان قادر على أن يفتح صفحة جديدة لأن كل روح تبحث عن السلام كما يقول فيكتور هوغو.
وحين ننظر إلى تاريخ المنطقة، نكتشف أن جذور هذه الوحدة ليست سياسية بل روحية، فالطرق الصوفية التي عبرت القارات والصحاري من القادرية إلى التيجانية إلى الناصرية، كانت أشبه بشبكات غير مرئية لتوحيد الناس حول معنى واحد وهو أن الحقيقة أوسع من الدولة وأن الروح لا تعرف الحدود، فقد جمعت هذه الطرق بين مدن بعيدة وربطت بين تلمسان وفاس وورزازات وتمبكتو، وخلقت فضاءً مشتركًا للذكر والعلم والسفر والترحال، ففي تلك الزوايا حيث كان الفقراء والأغنياء والقبائل والحواضر يجتمعون دون تمييز، وكانت البذور الأولى لفكرة الوحدة تُزرع دون أن تدري السياسة، وحين يعود المغرب اليوم ليعلن عيدًا للوحدة فهو في الحقيقة يعيد إحياء ذلك الخيط الروحي القديم الذي كان يحكم المنطقة.
وثمّة شيء آخر لا يمكن تجاهله وهو أن هذا العيد يوقظ في الإنسان شعورًا دفينًا بالطمأنينة، فالإنسان بطبيعته يبحث عن إطار ينتمي إليه ويخاف الفراغ ويكره التشظي، وما يجري الآن هو أنّ النفس الجماعية لشعوب المنطقة وجدت ما يروي عطشها العميق من شعور بأن التاريخ يسير نحو التماسك لا التفكك، وبأن القرارات الكبرى في العالم بدأت تُصغي لصوتٍ ظل طويلًا محجوبًا عن السياسة، ولذلك فحين يحتفل الناس بعيد الوحدة فهم يحتفلون في الحقيقة بأنفسهم، وبما عاشته أجيالهم السابقة وبما تتطلع إليه أجيالهم القادمة.
إن 31 أكتوبر كما أصبح اليوم ليس مجرد تاريخ بل هو معنى يعيد للذاكرة ما نسيت ويعيد للوجدان ما فقد، ويعيد لجغرافيا المنطقة ما كان يومًا حقيقيًا قبل أن تفصلها حدود رسمتها الحروب. فهو اليوم الذي يصبح فيه التاريخ ليس فصلًا يقرأ بل روحًا تُعاش، وهو اليوم الذي تتحول فيه السيادة إلى شعور والوحدة إلى وعي، والقرار الأممي إلى اعتراف عالمي بأن المنطقة التي تشكلت عبر آلاف السنين لا يمكن أن تُفهم إلا بوحدتها، ولا يمكن أن تُقرأ إلا بنسقها الجماعي ولا يمكن أن تُختزل في خرائط صغيرة ضيقة.
إنّ هذا العيد في النهاية ليس احتفالًا بالمغرب وحده بل احتفالًا بالمنطقة كلها. فهو عيد يذكر شعوب المغرب العربي بأنهم مهما اختلفت السياسات، يشتركون في ذاكرة واحدة وفي صحراء واحدة وفي مصير واحد، وأنه عيد للوحدة الترابية لكنه أيضًا عيد للوحدة البشرية، وعيد يعيد صياغة السؤال الأبدي وهو من نحن؟ ويمنح الإجابة في جملة بسيطة وعميقة وهي أننا نحن أبناء نفس الأرض ونفس التاريخ ونفس الروح.
إنه عيد يعيد ترتيب العالم من جديد داخل نفوس الناس ويقول لهم بلغة تتجاوز الكلمات أن الوحدة ليست حلما بل إنها حقيقة تستيقظ.







تعليقات الزوار ( 0 )