يشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب محطة ثقافية بارزة تتجاوز كونها مناسبة لعرض الإصدارات وتوقيعها، لتتحول إلى فضاء نابض بأسئلة الفكر وتحولاته في زمن الرقمنة وتسارع الوسائط. إنه موعد سنوي يلتقي فيه الفاعلون الثقافيون والقراء والباحثون، حيث تتقاطع الندوات والحوارات مع تحولات المجتمع، وتُطرح أسئلة المعنى في سياق يتسم باللايقين وتعدد المرجعيات.
غير أن هذا الفضاء، في نظر تصور “الطريق الرابع”، لا ينبغي أن يظل محصورًا في بعده الاحتفالي أو التداولي، بل مدعوٌّ إلى لعب أدوار أعمق، تجعل منه قوة اقتراحية قادرة على التأثير في مسار المجتمع. فالمعرض، وفق هذا المنظور، يمكن أن يتحول من مجرد واجهة للعرض الثقافي إلى مختبر حي لإنتاج الأفكار، حيث تصبح النقاشات منصة لتوليد تصورات قابلة للتداول العمومي، تربط الثقافة بالفعل الاجتماعي وتخرجه من دائرة النخبة الضيقة.
في هذا السياق، يبرز تحدي أساسي يتمثل في موقع الثقافة داخل مجتمع تتسع فيه الفوارق وتتعمق فيه الهشاشة. فلم يعد ممكنًا أن تبقى الثقافة في موقع الحياد، بل باتت مطالبة بالإسهام في إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وتحويل الكتاب من منتج رمزي إلى أداة للاندماج والمواطنة. فالثقافة، بهذا المعنى، ليست ترفًا، بل رافعة لإعادة التوازن داخل المجتمع.
ومن هنا، تتشكل رؤية أكثر جرأة تجعل من الكتاب مدخلًا لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، عبر توسيع قاعدة الولوج إلى المعرفة، وتمكين الفئات الهشة من المشاركة في إنتاجها، بدل الاكتفاء بدور المتلقي. فالتحدي لم يعد في نشر الكتب فقط، بل في دمقرطة الثقافة وإعادة توزيع الفرص الرمزية والمعرفية.
هذا التحول يفرض إعادة التفكير في وظيفة المعرض ذاته، ليغدو فضاءً للفعل لا مجرد فضاء للعرض، ينتقل فيه الجمهور من موقع الاستهلاك إلى موقع المشاركة. ويتحقق ذلك عبر إدماج الشباب في المبادرات الثقافية، وربط النقاشات الفكرية بقضايا السياسات العمومية، وفتح المجال أمام أصوات جديدة ظلت خارج دوائر التأثير.
وفي أفق أوسع، يطرح هذا التصور الثقافة كرافعة لبناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكًا، حيث تسهم في تقليص الإقصاء وتعزيز العدالة المجالية، وتتحول إلى جزء من مشروع مجتمعي متكامل. غير أن هذا الرهان يظل محكومًا بتوترات عميقة، تعيشها الثقافة بين حرية التعبير وحدودها، وبين الانفتاح الرقمي ومخاطر التفاهة، وبين وفرة المعرفة وتآكل المعنى.
لقد أصبح الكتاب اليوم جزءًا من منظومة تواصلية معقدة، تتداخل فيها المنصات الرقمية مع الأشكال التقليدية للقراءة، ما يفرض إعادة تعريف العلاقة بالمعرفة والسلطة الرمزية. وفي هذا الإطار، يبرز الكتاب كأداة محتملة لإعادة بناء الروابط الاجتماعية، من خلال إنتاج معنى مشترك وتعزيز ثقافة الحوار في مواجهة التفكك.
غير أن تحقيق هذا الطموح يقتضي وعيًا نقديًا بدور الثقافة كسياسة عمومية غير معلنة، تتقاطع مع اختيارات الدولة والمجتمع، وتستدعي إدماجها ضمن استراتيجيات التنمية باعتبارها ضرورة لا ترفًا. فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست مجالًا معزولًا، بل عنصرًا حاسمًا في تشكيل الوعي الجماعي.
من هنا، يبرز الرهان الحقيقي: لا يمكن إنقاذ الكتاب دون معالجة أعطاب المجتمع ذاته. فأزمة القراءة تعكس في جوهرها أزمة أعمق تتعلق بالاندماج والثقة والعدالة. ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للكتاب تمر بالضرورة عبر إعادة بناء شروط إنتاج المعنى داخل المجتمع، وجعل الثقافة في صلب مشروع التغيير.




تعليقات الزوار ( 0 )