ينسب للمناضل النقابي الأمريكي ”سيزار تشافيز” أنه قال: ”عندما نناضل من أجل العدالة، فإننا لا نفعل ذلك لأننا نحب النضال، بل لأننا نحب الحياة” هذه الجملة تشير بوضوح إلى أن النضال ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة ضرورية وأحيانا صعبة لضمان الحرية والكرامة الإنسانية.
لذلك يعتبر الاحتفال بعيد الشغل في فاتح ماي من كل سنة محطة ذات رمزية تاريخية ثقيلة، تعود جذورها إلى أحداث ”هايماركت” في شيكاغو، حين خرج العمال مطالبين بتحسين ظروف الشغل وتقليص ساعات العمل المرهقة، فلم تكن تلك المطالب ترفا بل صرخة كرامة في وجه الاستغلال كانت تكلفتها غالية، قبل أن تتحول إلى رمز عالمي توج باعتماد فاتح ماي عيدا للعمال من طرف الأممية الاشتراكية سنة 1889. منذ ذلك الحين، لم يعد هذا اليوم مجرد تاريخ عاد، بل صار لحظة لتجديد العهد والتذكير بأن الحقوق تنتزع ولا تمنح، وأن العمل ليس مجرد علاقات جافة وآلية بين العمال والأجراء وأرباب العمل، بل هو علاقة إنسانية وأخلاقية كذلك.
غير أن إسقاط هذا البعد الرمزي على الواقع المغربي، يظهر أنه فقد جزءا كبيرا من بريقه، فالنقابات التي كانت في مراحل سابقة فاعلا أساسيا في تأطير الشغيلة والدفاع عن مطالبها، تجد نفسها اليوم في موقع دفاعي، تكافح للحفاظ على ما تبقى من حضورها وتأثيرها. وإذا كان من الطبيعي أن تتغير الأدوار بتغير السياق والوقائع، فإن ما يثير القلق هو أن هذه الأزمة الوجودية للنقابات لم تواكبها محاولات لتجديد الرؤية وأدوات الاشتغال والاستقطاب، ما يطرح سؤالا مقلقا حول مصير العمل النقابي في المستقبل.
ومعلوم أن تاريخ النقابات في المغرب يكشف منذ البداية عن مفارقة بنيوية، إذ ارتبطت نشأتها ارتباطا وثيقا بالأحزاب السياسية، بدل أن تكون تعبيرا مستقلا عن حركة عمالية صرفة، كما هو الحال في التجارب الغربية، هذا التداخل جعلها في كثير من الأحيان رهينة توازنات سياسية لا تعكس بالضرورة مصالح الشغيلة. ومع مرور الزمن، تعمق هذا الخلل بفعل التعدد المفرط للمركزيات النقابية، حيث تحول التنوع من مصدر قوة إلى عامل تشتت وصراع أضعف القدرة على الفعل النقابي المؤثر، وفتح المجال أمام منطق التلاسن والصراع الايديولوجي بدل التكامل. وفي ظل هذا التشرذم أصبح من السهل على السلطة أن تدير الحوار الاجتماعي بانتقائية وأن تعمق هذه التناقضات وتضمن الولاءات، مستفيدة من غياب جبهة نقابية موحدة قادرة على فرض توازن حقيقي في التفاوض.
ولا يمكن إنكار أن السلطة لعبت دورا حاسما في رسم حدود الفعل النقابي، سواء من خلال الإطار القانوني أو من خلال ممارسات ميدانية تؤثر في حرية العمل النقابي وانتشاره. فرغم مصادقة المغرب على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 98 المتعلقة بالتنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، فإن عدم المصادقة على الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحق التنظيم النقابي يظل مؤشرا سلبيا على غياب الارادة في تكريس استقلالية العمل النقابي. كما أن الفجوة بين النصوص القانونية كمدونة الشغل مثلا والتطبيق الفعلي يضعف الثقة و يشعر بأن الحماية القانونية لا تترجم دائما إلى ضمانات فعلية على أرض الواقع.
ومن جهة أخرى فتحميل الدولة وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع سيكون تشخيصا سطحيا لواقع الأمر، فالنقابات نفسها لم تسلم من أعطاب داخلية عميقة، على رأسها تفشي البيروقراطية التنظيمية، وضعف التداول على القيادة، والعجز عن تجديد خطابها بما ينسجم مع تحولات سوق الشغل، خاصة أمام تحولات الاقتصاد المغربي و اتساع القطاع غير المهيكل و انتشار العمل الهش، وهي تحولات أفرزت فئات واسعة من العمال خارج أي تأطير نقابي، ومع ذلك لم تنجح النقابات في ابتكار صيغ تنظيمية جديدة تستوعب هذه الفئات، ما جعلها تبدو في نظر الكثيرين كتنظيمات مرتبطة بزمن مضى أكثر مما هي معنية بالحاضر.
ولعل تظاهرات فاتح أبرز تجليات ذلك، بعد أن تحولت في كثير من الأحيان إلى طقس فرجوي، أكثر منها لحظة ضغط فعلي، نفس الشعارات ترفع ونفس المطالب تعاد، دون أثر ملموس يقنع الشغيلة بجدوى الانخراط.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط عن أسباب هذا التراجع، بل عن مآل النقابات في المستقبل، هل نحن أمام مرحلة أفول وانهيار؟ أم أمام لحظة انتقالية تفرض إعادة النظر في آليات التنظيم والاشتغال؟ لأن الاستمرار بنفس الأساليب لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل، خاصة في ظل بروز أشكال جديدة من الاحتجاج والتنظيم، كالتنسيقيات والحركات الفئوية التي نجحت أحيانا في تحقيق ما عجزت عنه النقابات، ومع ذلك فإن اختفاء النقابات ليس مؤشرا سليما، لأن أي توازن اجتماعي سليم يحتاج إلى وسائط منظمة تدافع عن حقوق العمال بشكل مؤسساتي، دون أن نغفل أن الطبقة العاملة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية بسبب الحياد السلبي وغياب الانخراط النضالي، وتحول اللامبالاة إلى أداة للهيمنة كما يقول “أنطونيو غرامشي” لأنها تتيح للظروف السيئة أن تستمر.
وعليه يظل فاتح ماي مرآة تعكس حال النقابات أكثر مما هو محطة تاريخية ونضالية، فإذا كانت هذه المناسبة قد ولدت كما قلنا سابقا من رحم الصراع من أجل الحرية والكرامة، فإن الحفاظ على رمزيتها اليوم يمر حتما عبر إعادة إحياء روح ذلك الصراع، ولكن بأدوات جديدة ورؤية أكثر واقعية، وإلا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع النقابات، بل في فقدان المجتمع لواحدة من أهم آلياته في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.




تعليقات الزوار ( 0 )