أخبار ساعة

01:16 - احتجاجات بمقاطعة الحي الحسني.. الموظفون ينتفضون ضد “إساءة” مست كرامتهم00:56 - توقيف قاصر بتهمة تخريب منشأة اتصالات وقطع الخدمة عن المواطنين بالقنيطرة00:43 - الفرقة الوطنية تسقط فرنسيا مطلوبا لـ”الأنتربول”00:33 - “أسود الأطلس” يتأهبون لموقعة اسكتلندا.. ثقة في التطور وسعي لنقاط الحسم بمونديال 202600:16 - موظفو قطاع المغاربة المقيمين بالخارج يحتجون على بوريطة بحمل الشارة الحمراء23:55 - خطورة المادة 36 من مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها23:44 - قراصنة ينتحلون صفة وزارة العدل لسرقة الحسابات البنكية بمخالفات سير وهمية23:25 - الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الادارية بمراكش نعناني يؤكد: القضاء الإداري شريك أساسي في حماية المال العام وترسيخ الحكامة الترابية23:07 - مباحثات بنواكشوط.. دي ميستورا يلتقي الغزواني لدفع المسار السياسي للصحراء المغربية22:49 - توقيف ثلاثيني متورط في العنف ضد الأصول والتهديد بالسلاح الأبيض عقب شريط فيديو
الرئيسية » مقالات الرأي » النزعة الصوفية بين إبراهيم الكوني وهيرمان هيسه

النزعة الصوفية بين إبراهيم الكوني وهيرمان هيسه

     تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.

     في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني ( وُلد 1948 )، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه ( 1877_ 1962/ نوبل 1946 ). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.

     يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.

     تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة ” التِّيه” التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم ” السِّر ” بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

     في المقابل، ينطلق هيسه من سياق أوروبي مأزوم، حيث الحداثة صنعتْ إنسانًا مُمزقًا بين العقلِ والروح، وحضارةً تائهة بين المادة والمَعنى. تأتي كتاباته كرد فِعل على هذا التمزق، عبر رحلة بحث داخلي عن التوازن والانسجام.

     تتجلَّى النزعة الصوفية في أعماله من خلال التركيز على التجربة الفردية العميقة، والسَّعْي نحو التَّوَحُّدِ مع الذات الحقيقية.شخصياته تعيص صِراعًا داخليًّا حادًّا،لكنَّها تجد الخلاصَ عبر التأمُّل، والانفصالِ عن القيم السطحية، والانفتاحِ على الحكمة الشرقية.

     في رواياته، لا تكون الحقيقة جاهزة أو مفروضة، بل تُكشَف عبر التجربة والمعاناة. وهذا يتقاطع مع الفكرة الصوفية القائلة إنَّ الطريق إلى المعرفة يمرُّ عبر الألم والتجرُّد. كما أنَّ مفهوم الوَحْدة يحتلُّ مكانة مركزية، حيث يسعى الإنسانُ إلى تجاوز الانقسام الداخلي، والوصولِ إلى حالة مِن الانسجام الرُّوحي معَ العالَم.

     رغم اختلاف البيئتَيْن الثقافيتَيْن، فإنَّ هناك تقاطعًا واضحًا بين الكُوني وهيسه في النظر إلى العالَم بوصفه لُغزًا يحتاج إلى تأويل، وفي اعتبار الرحلة الداخلية شرطًا للوصول إلى الحقيقة. كلاهما يرفض السطحية، ويبحث عن الجَوهر، ويَرى أن المُعاناة لَيست عبثًا، بل هي طريق للتَّرَقِّي.

     لكنَّ الاختلاف يكمن في طبيعة المسار. الكُوني ينطلق من تُراث صوفي متجذر في الثقافة الصحراوية، حيث الطبيعة نَفْسها تُصبح مُرشدًا رُوحيًّا. أمَّا هيسه،فيبني رؤيته من خلال تفاعل معَ الفلسفات الشرقية والغربية، في محاولة لإعادة بناء الإنسان الأوروبي مِن الداخل.

     تكشف تجربةُ الكُوني وهيسه أنَّ الأدب يمكن أن يكون وسيلةً للارتقاءِ الروحي، لا مُجرَّد أداة للتعبير الجَمالي. والنزعةُ الصُّوفية في أعمالهما لَيست زينةً فكرية، وإنَّما جَوهر الرؤية، ومُحرِّك السرد، وغاية الرحلة.

     إنهما يُقَدِّمان نموذجَيْن مُختلفَيْن لطريق واحد، طريق البحث عن الحقيقةِ والذاتِ والمعنى. طريق يبدأ بالقلق، ويمرُّ بالتِّيه، ويَنتهي _ إن انتهى _ بلحظة كشف، حيث يُدرِك الإنسانُ أنَّ ما كان يبحث عنه في الخارج، كان يَسكنه مُنذ البداية.

     لا تبدو النزعةُ الصوفية عند الكُوني وهيسه مُجرَّد خِيار جَمالي أو نُزوع فِكري عابر، بل هي موقف وجودي حاسم مِن العالَم، ومُحاولة حثيثة لاختراق ظاهر الأشياء نحو جَوهرها العَصِيِّ. كِلاهما، رغم اختلاف الجُغرافيا والمَرجعيات، يلتقيان عند تلك النقطة الحرجة التي يُصبح فيها الإنسانُ غريبًا عن ضجيج الواقع، وباحثًا عن معنى يتجاوز اللغةَ والمنطق. عِند الكُوني، تتجسَّد الصوفية في صمتِ الصحراء واتِّساعها، حيث يتلاشى الكائنُ في الطبيعة اللانهائية، بينما عند هيسه تتَّخذ شكلَ رحلة داخلية شاقَّة، وصِراعًا بين الذات وظلالها، حتى بُلوغ نوع مِن الصفاء.

     إنَّها لَيستْ صُوفية هُروب، بل صُوفية مُواجَهة: مُواجهة الذات، والزمنِ، والفراغِ الوجودي. ومِنْ هُنا، فإنَّ أعمالهما لا تمنح أجوبةً جاهزة، وإنما تَطرح أسئلة كثيرة ، حيث يبدأ القلقُ، ويتشكَّل الوَعْي. لهذا السبب، تظلُّ نُصوصهما مفتوحة، وعَصِيَّة على الاكتمال، لأنَّها تعكس تجربة إنسانية لا تنتهي، تجربة البحث المُستمر عن المَعنى في عَالَم مُتآكل، وغارق في الغُموض والسِّرِّية.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

خطورة المادة 36 من مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها

18 يونيو 2026 - 11:55 م

في محاولة سابقة معنونة ب«هل أعاد مشروع قانون الحيوانات الضالة إعادة الاعتبار للقانون؟» ومنشورة منذ أكثر من أربعة أشهر، توقفنا

تنظيم كأس العالم 2026 وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية

18 يونيو 2026 - 8:17 م

شهد كأس العالم 2026 لأول مرة في تاريخ كرة القدم مشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32 منتخباً، وهو أكبر توسع

الصراع المركب في مالي والتنافس الجيوسياسي في منطقة الساحل

18 يونيو 2026 - 2:45 ص

تعتبر مالي بقلبها النابض في منطقة الساحل الأفريقي، مسرحا لأزمة معقدة ومتعددة الأوجه تتجاوز بكثير التصورات التقليدية التي تختزلها في

حين تصطف النقابة مع الحكومة ضد جيوب المواطنين

17 يونيو 2026 - 11:56 م

لم يكن التصويت الذي شهده مجلس المستشارين بشأن مقترحي القانون المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وإحياء مصفاة سامير مجرد محطة تشريعية

الأمن الإسرائيلي والسلام العربي

17 يونيو 2026 - 11:51 ص

كنت أختزل الصراع العربي الإسرائيلي في ثنائية الأمن الإسرائيلي، الذي تتدثر به إسرائيل في مواجهة القضية الفلسطينية، والسلام الذي يطالب

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°