لم يكن التصويت الذي شهده مجلس المستشارين بشأن مقترحي القانون المتعلقين بتسقيف أسعار المحروقات وإحياء مصفاة سامير مجرد محطة تشريعية عابرة، بل شكل لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح أسئلة عميقة حول طبيعة القرار العمومي بالمغرب، وحول موقع المواطن وقدرته الشرائية داخل شبكة العلاقات التي تربط الحكومة والأغلبية البرلمانية والنقابات.
ففي ظل استمرار موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، كان من الطبيعي أن ينتظر المواطن من مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الاصطفاف إلى جانب المبادرات الرامية إلى التخفيف من الأعباء التي تثقل كاهله. غير أن ما حدث داخل مجلس المستشارين أظهر أن منطق الاصطفافات السياسية قد يتغلب أحياناً على الاعتبارات الاجتماعية، وأن الحسابات المرتبطة بالتوازنات والتحالفات قد تصبح أكثر حضوراً من سؤال المصلحة المباشرة للمواطن.
في الظاهر، كان النقاش يدور حول مقترحين قانونيين؛ الأول يهدف إلى وضع آليات قانونية تحد من الارتفاع المفرط لأسعار المحروقات، والثاني يتعلق بإعادة تشغيل مصفاة سامير باعتبارها إحدى الركائز الاستراتيجية للأمن الطاقي الوطني. لكن في العمق، كان النقاش يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب التقني أو الاقتصادي.
فالموافقة على مقترح تسقيف الأسعار كانت ستُقرأ شعبياً باعتبارها اعترافاً ضمنياً بأن سياسة تحرير أسعار المحروقات، التي اعتمدت منذ سنوات، لم تحقق الوعود التي رافقتها، وأن السوق لم ينجح وحده في تحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المستهلكين. أما رفض المقترح، فيعني عملياً استمرار الرهان على آليات السوق الحرة باعتبارها الخيار الأنسب لتدبير القطاع، رغم ما يثار حول هذا التوجه من انتقادات اجتماعية واقتصادية.
غير أن أكثر ما أثار الانتباه في هذه المحطة لم يكن موقف الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، فالدفاع عن اختيارات الحكومة يظل أمراً متوقعاً من مكوناتها السياسية، وإنما موقف بعض التمثيليات النقابية التي اختارت الاصطفاف ضد المقترحين.
وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه بإلحاح: كيف يمكن لهيئة نقابية تأسست للدفاع عن الأجراء والطبقات المتوسطة والضعيفة أن تعارض مقترحات يُنظر إليها باعتبارها محاولة للتخفيف من آثار الغلاء على المواطنين؟
لا يتعلق الأمر هنا بالطعن في حق النقابات في اتخاذ المواقف التي تراها مناسبة، وإنما بمسألة الصورة والرمزية. فالمواطن البسيط لا ينظر إلى النقاشات التقنية المعقدة ولا إلى التبريرات القانونية والسياسية بقدر ما يطرح سؤالاً مباشراً: هل يخدم هذا القرار مصلحتي أم لا؟ وعندما يشعر بأن المؤسسة التي يفترض أنها تدافع عن مصالحه تتخذ موقفاً معاكساً لما يعتبره منفعة مباشرة له، فإن منسوب الثقة يبدأ في التراجع.
لقد أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة سؤال استقلالية العمل النقابي عن الحسابات الحزبية والسياسية. ففي التجارب الديمقراطية الراسخة، قد تتقاطع مواقف النقابات والحكومات في بعض الملفات، لكن النقابات تحرص على الاحتفاظ بمسافة نقدية تضمن استقلاليتها وتحافظ على دورها التاريخي كوسيط اجتماعي ومدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات التي تمثلها.
أما حين تصبح النقابة، في نظر الرأي العام، مجرد امتداد سياسي لأغلبية حكومية أو لحزب معين، فإنها تخاطر بفقدان جزء مهم من مشروعيتها الرمزية ومن الثقة التي تشكل أساس وجودها. لذلك قد يقرأ كثير من المواطنين هذا التصويت باعتباره انتصاراً لمنطق التحالف السياسي على حساب منطق الترافع الاجتماعي.
أما فيما يتعلق بمصفاة سامير، فإن النقاش يتجاوز بكثير حدود مؤسسة اقتصادية متوقفة عن الإنتاج. فالمصفاة كانت لعقود جزءاً من البنية الاستراتيجية للأمن الطاقي الوطني، وقد أظهرت الأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، أن الدول التي لا تمتلك قدرات كافية في مجال التكرير والتخزين تصبح أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسواق العالمية.
ومن ثم، فإن مستقبل سامير لا ينبغي أن يُناقش فقط من زاوية الكلفة المالية أو التعقيدات القانونية، بل من زاوية المصلحة الاستراتيجية للدولة وقدرتها على تأمين احتياجاتها الطاقية في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين.
سياسياً، قد تكون الحكومة قد نجحت في إسقاط مقترحين كانا يضعانها في موقع دفاعي. لكن السياسة لا تُقاس فقط بنتائج التصويت داخل المؤسسات، بل أيضاً بصورة الفاعلين لدى الرأي العام. فكلما استمرت أسعار المحروقات في الارتفاع، وكلما تعزز شعور المواطنين بأن المؤسسات عاجزة عن التدخل لحماية قدرتهم الشرائية، ازدادت الكلفة السياسية للقرارات التي اتخذت في هذا الاتجاه.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ستجد الأحزاب والنقابات نفسها أمام أسئلة بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالاتها: ماذا فعلتم لمواجهة الغلاء؟ كيف دافعتم عن القدرة الشرائية للمواطنين؟ وما موقفكم من السياسات المرتبطة بأسعار المحروقات؟ وهي أسئلة قد يكون تأثيرها على اختيارات الناخبين أكبر من تأثير الكثير من البرامج والشعارات الانتخابية.
إن ما حدث داخل مجلس المستشارين لا يمكن اختزاله في مجرد رفض لمقترحين قانونيين، بل يمثل اختباراً حقيقياً لمكانة المواطن داخل معادلة القرار السياسي. فحين يشعر المواطن بأن الحكومة والأحزاب والنقابات تقف في جهة واحدة، بينما تبقى معاناته اليومية مع الغلاء في الجهة المقابلة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة أسعار، بل بأزمة ثقة في المؤسسات والوسائط التي يفترض أنها تمثله وتدافع عن مصالحه.
وفي نهاية المطاف، تبقى الثقة هي الرأسمال السياسي والاجتماعي الأثمن. وقد تربح الحكومات معارك التصويت داخل المؤسسات، لكن الحفاظ على ثقة المواطنين يظل التحدي الأكبر، لأنه الشرط الأساسي لاستمرار الشرعية السياسية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
رئيسة جماعة الحوافات – إقليم سيدي قاسم





تعليقات الزوار ( 0 )