أخبار ساعة

13:14 - مطالب برلمانية بإطار قانوني ينظم خدمات “إندرايف” ويضمن التوازن مع قطاع النقل التقليدي13:08 - انطلاق بطولة المغرب للتبوريدة بالرباط بمشاركة 24 سربة للتنافس على لقب 202612:15 - بايرن ميونخ يتوصل لاتفاق مبدئي لضم الدولي المغربي إسماعيل الصيباري من آيندهوفن الهولندي11:46 - السلوك المدني في الفضاءات العمومية: حين تتحول “الأخلاق” إلى بديل عن “البنية”11:15 - المغرب ومعضلة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.. دراسة ترصد تحوله إلى محطة عبور قسرية للمهاجرين الأفارقة10:00 - عراقجي يعلن انطلاق مفاوضات إيرانية أمريكية جديدة في سويسرا ويحذر من أي تصعيد إسرائيلي في لبنان بعد بدء تنفيذ الاتفاق المؤقت09:04 - طقس الثلاثاء.. أجواء حارة بعدد من المناطق وزخات رعدية مرتقبة مع رياح قوية00:45 - مربو دجاج اللحم يرفضون مبررات “الفيدرالية” ويطالبون بتحقيق في تدبير القطاع00:36 - هل يبني لقجع سردية تنموية جديدة أم زعامة شعبوية؟00:06 - الصيد البحري.. أين تتبخر ثروة السواحل المغربية؟
الرئيسية » مقالات الرأي » السلوك المدني في الفضاءات العمومية: حين تتحول “الأخلاق” إلى بديل عن “البنية”

السلوك المدني في الفضاءات العمومية: حين تتحول “الأخلاق” إلى بديل عن “البنية”

قراءة نقدية في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من زاوية علم الاجتماع السياسي

في مطلع الستينيات، كان عالم السوسيولوجيا الفرنسي “ميشيل كروزييه”، يدرس مصانع التبغ المملوكة للدولة الفرنسية. وكانت إدارة هذه المصانع تصدر بانتظام تعليمات وقرارات لتحسين الإنتاجية وضبط سير العمل. لكن “كروزييه” لاحظ ظاهرة لافتة: عمال صيانة الآلات، وهم فئة قليلة العدد ومتواضعة الرتبة في الهرم الوظيفي، كانوا الوحيدين الذين يعرفون كيفية إصلاح أعطال الآلات القديمة المتكررة، وكانوا يحرصون على إبقاء هذه المعرفة سرا. ونتيجة لذلك، اصطدم كل قرار إداري جديد يهدد امتيازاتهم الضمنية فجأة بأعطال غامضة في الآلات، فتتوقف الإدارة، رغم كل القرارات المكتوبة، عند حدود ما يسمح به هؤلاء العمال. من هذه الملاحظة بنى “كروزييه” أحد أهم دروس علم التنظيمات، الذي صاغه لاحقا في عبارته الشهيرة: “لا نُغيِّر المجتمع بمرسوم”. فكل فاعل، أيا كان موقعه في الهرم، يحتفظ بـ“مجال” خاص به يستعمله للدفاع عن مصالحه، وأي إصلاح يتجاهل هذه “المجالات” الخفية للفاعلين مظنة تعطيل أو فشل.

إن هذا السؤال – هل يمكن تغيير سلوك الناس بمرسوم؟ – يفرض نفسه عند قراءة رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”. فالرأي، المستند إلى بحث ميداني شمل أكثر من ألف مستجوَب وجلسات إنصات موسعة مع الفاعلين المؤسساتيين، يطرح تشخيصا متعدد الأبعاد لأزمة “اللاسلوك المدني”، رابطا بين التنشئة الاجتماعية والتأطير القانوني والبنية التحتية الحضرية.

غير أن أغلب توصياته العشرين تتخذ شكل أدوات معيارية صادرة من أعلى: ميثاق وطني، مدونة سلوك، مرسوم تطبيقي، تصنيف جهوي، مرصد وطني – وهي بالضبط الصيغة التي يضع “كروزييه” أمامها علامة استفهام، ليس لرفضها، بل لتذكيرنا بأن نجاحها يتوقف على مدى انخراطها مع “هوامش تحرك” الفاعلين على الأرض، لا على مجرد صياغتها.

إن إعادة قراءة هذا الرأي بآليات التحليل المستمدة من علم الاجتماع السياسي، وخاصة نظريات الحكامة السلوكية ومقاربات الانتقال الديمقراطي الهجين، تكشف عن مفارقات تستحق التوقف عندها، لكن قبل ذلك كتمهيد نظري وعتبة منهجية أولى، أود الاسترشاد بأطروحة ‘بوريس سيرولنيك’ (Boris Cyrulnik) وجدليته المفهومية حول ‘الثقافة’ و’الحضارة’ في سياق المجتمعات الحديثة.”

يمييز “بوريس سيرولنيك” بين “الثقافة”، وهي الأبعاد البنيوية الثابتة كالقوانين والمؤسسات والمدرسة، و“الحضارة”، وهي الطقوس والأعراف الاتفاقية المتحركة، كقواعد اللباقة وآداب التعامل، التي تتغير باستمرار عبر التفاعل اليومي، وهو ما يجعل كل جماعة قد تنظر إلى أخرى بوصفها “بربرية” تبعا لمعاييرها الخاصة. ومعظم ما يتناوله الرأي تحت اسم “السلوك المدني”، من احترام الطابور إلى آداب التشجيع الرياضي، ينتمي إلى هذا المستوى “الحضاري” المتحرك، بينما تعالجه التوصيات بأدوات “ثقافية” جامدة كالمدونات والتصنيفات الموحدة – مع تنبيه ضروري: هذا لا يعني إطلاقا تنسيب أعمال العنف والتخريب التي يوثقها الرأي بالأرقام، والتي تستدعي بحق المعالجة القانونية الصارمة. وللتوضيح بمثال يومي بسيط: في طوابير المرافق العمومية، قد تنص اللافتة على صف واحد يجمع الرجال والنساء مع تقديم الحوامل وكبار السن، وهذه هي “الثقافة” المكتوبة؛ لكن على الأرض يلتزم بعضهم بهذا بينما يفضل آخرون الفصل بين النساء والرجال دون أن يُصرح بذلك، وهذا هو “الحضارة” بحسب “سيرولنيك”، حيث قد يرى كل طرف في خيار الآخر “مخالفة للنظام” أو “خروجا عن اللباقة”.

أولى هذه المفارقات تتعلق بما يمكن تسميته “التسييس المضاد”، أي تحويل قضايا ذات جذور بنيوية واضحة، كالفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف جودة الخدمات العمومية، والبطالة، والهشاشة التعليمية، إلى مسألة “سلوك” فردي قابل للتصحيح عبر التربية والتحسيس والزجر. وتكشف بيانات الرأي نفسه عن هذه المفارقة بأقوى مما تفعله أي قراءة خارجية: فأغلبية واسعة من “المتورطين” في المخالفات هم من المياومين والعاطلين عن العمل وذوي المستوى التعليمي المحدود، أي الفئات الأكثر تعرضا للهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. وبالعودة إلى مفهوم العنف الرمزي عند بورديو، فإن تأطير هذه الفئات كـ“مصدر” للسلوك غير المدني، مع إبقاء الأسباب البنيوية في خلفية التحليل كعوامل مفسِّرة لا كمحددات تستدعي تدخلا سياسيا أعمق، يُعيد إنتاج علاقة هرمية تُحمِّل الضحايا مسؤولية أعراض اجتماعية لم يصنعوها بمفردهم. ويمكن توضيح ذلك بمثال ملموس من الرأي نفسه: حين يُفسَّر ارتفاع جنح وحوادث السير لدى الراجلين ومستعملي الدراجات بكونها مرتبطة بـ“سلوكات خطيرة”، فإن التوصيات تتجه مباشرة نحو التحسيس والزجر، في حين يبقى سؤال غياب الممرات الآمنة والأرصفة المهيأة لهذه الفئات، خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق شبه الحضرية، حاضرا بشكل عابر في التشخيص دون أن يتحول إلى أولوية موازية في التوصيات. ومثال آخر أكثر وضوحا: التدافع الذي يقع غالبا عند انتظار الحافلة أو سيارة الأجرة في ساعات الذروة، حيث يُمتهَن حق النساء وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة في الصعود أولا. ظاهريا، يبدو هذا “سلوكا غير مدني” بامتياز وفق تعريف الرأي. لكن بتفكيك المشهد: حافلة واحدة تستقبل عددا يفوق سعتها بكثير، وموظف ذاهب إلى عمله وطالب متوجه إلى جامعته يدركان أن التأخر يعني خسارة فعلية، فيصعد “الأقوى” أولا و”الأضعف” ثانيا، ليس لأن “الأقوى” “غير متحضر”، بل لأن النظام نفسه يضع الجميع في وضعية تنافس على مورد نادر. ولو توفرت حافلات كافية بتواتر منتظم لا يهدد وصول أحد إلى وجهته، لما قد ظهرت هذه السلوكيات أصلا، إذ إن ما يُقرأ كـ“عجز في القيم” قد يكون، في جوهره، نتيجة مباشرة لعجز في العرض.

ثانيا، يحتل مفهوم “القدوة الحسنة” مكانة مركزية في الرأي، بحيث يوضَع المواطن والمؤسسة على قدم المساواة الأخلاقية: كلٌّ مطالب بأن يكون “قدوة” في موقعه. وهذا التماثل الخطابي، على جاذبيته التوافقية، يُخفي علاقة سلطة غير متكافئة من حيث القدرة على التأثير في شروط الفضاء العمومي. فحين تُختزل مسألة جودة المرفق العمومي في “أخلاق” الموظف العامل فيه، يتم تحييد سؤال أكثر جذرية يتعلق بالموارد، والتنظيم، والمساءلة المؤسساتية، وهو إزاحة كلاسيكية في خطابات الحكامة الجيدة حيث يُستبدل النقاش حول إعادة توزيع السلطة والموارد بنقاش حول الفضائل الفردية. ومثال ذلك أن الرأي نفسه يشير، في الجزء المتعلق بالمؤسسات السجنية، إلى أن المعدل لا يتجاوز موظفا واحدا لكل ثمانية سجناء، وينخفض إلى واحد لكل ثلاثة عشر عند احتساب موظفي الحراسة فقط. فحين يُطلب من هؤلاء الموظفين أن يكونوا “قدوة” في معاملتهم للنزلاء، فإن المطلب يصبح مطلبا أخلاقيا معلقا، ما لم يُقابَل بمطلب مواز بمراجعة هذه النسب والموارد المتاحة فعليا لهم.

ثالثا، يستحضر الرأي المرجعية الدينية، عبر “خطة تسديد التبليغ” ودور المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف، كرافعة أساسية لنشر قيم السلوك المدني. وهذا الاستحضار يُظهر استمرار النمط الهجين في الحكم، بالمعنى الذي طرحه “ليفيتسكي” و”واي”، حيث تتجاور أدوات حداثية كالاستشارات الرقمية والمؤشرات الكمية ومخرجات البحث الميداني، مع أدوات تقليدية للشرعنة والضبط الاجتماعي كالخطاب الديني المؤطَّر مؤسساتيا. والسؤال السوسيولوجي المطروح هنا ليس إنكار شرعية هذه المرجعية في السياق المغربي، بل التساؤل عما إذا كان هذا التكامل بين المرجعيات الدينية والحقوقية والتنموية يعكس توافقا مجتمعيا عضويا حول القيم، أم أنه استراتيجية تعبئة شرعيات متعددة لتأمين قبول أوسع لمشروع ضبط سلوكي تقوده الدولة. ومثال ذلك من الحياة اليومية: متسول عند مدخل مسجد أو محطة حافلات. فمن منظور المرجعية الدينية، يُنظر إلى تقديم الصدقة له كفعل عبادة محمود يعكس قيم التضامن والرحمة، وهي القيم ذاتها التي تستحضرها “خطة تسديد التبليغ”. ومن منظور المرجعية القانونية الزجرية التي يستعرضها الرأي نفسه، يُصنَّف التسول ضمن الجنح إذا اقترن بظروف يجرمها القانون، أي سلوكا “غير مدني” يستوجب الزجر. وأما من منظور تنموي كما يطرحه الرأي في رافعاته الخمس، فإن المسؤولية تقع على المؤسسات، عبر برامج الإدماج الاجتماعي، أكثر من الفرد المتسول أو المتصدق نفسه. والنتيجة أن المواطن يجد نفسه أمام ثلاث مرجعيات تخاطبه بثلاث رسائل مختلفة حول الفعل نفسه: تصدَّق دينيا، عاقِب قانونيا، وأدمِج تنمويا، دون إطار يوحد هذه الرسائل أو يرتب أولوياتها – وهو بالضبط ما يلاحظه الرأي حين يشير إلى أن التكامل بين مرجعيات القيم لا يزال بحاجة إلى مزيد من التحسين.

رابعا، يستدعي الرأي تجربة “الزجاج المكسور” في نيويورك بوصفها نموذجا ملهما، دون أي إشارة إلى الانتقادات الواسعة التي وُجِّهت إليها، خاصة ما يتعلق باستهدافها الطبقي والعرقي وعلاقتها بسياسات المراقبة المكثفة للفئات الهشة. واستيراد هذا النموذج، دون مناقشة كلفته الاجتماعية والحقوقية، يطرح سؤالا: على من ستنعكس آليات “التفعيل الصارم للمقتضيات الزجرية” بالأساس؟ علما أن بروفايلات “المتورطين” التي يقدمها الرأي نفسه تشير بوضوح إلى الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديا واجتماعيا. فمنطق “معالجة المخالفات الصغيرة قبل تفاقمها”، إذا طُبِّق حرفيا، يعني عمليا تكثيف المراقبة والمخالفات في الفضاءات التي تكون مظاهر الإهمال الحضري فيها أكثر وضوحا، أي الأحياء الشعبية وغير المهيكلة التي تعاني أصلا من نقص في النظافة والإنارة والتجهيزات، مقارنة بالأحياء الراقية التي تستفيد من صيانة منتظمة – بحيث يتحول “الفقر المجالي” نفسه، من دون قصد، إلى عامل يزيد من احتمال التعرض للمراقبة والعقاب.

خامسا، يمكن إغناء هذه القراءة باستحضار ميشيل فوكو في محاضراته “يجب الدفاع عن المجتمع” (1976)، حيث ينتقل التحليل من نموذج السلطة السيادية القائمة على القانون والعقاب إلى نموذج السلطة المعيارية (pouvoir de normalisation) التي تعمل عبر إنتاج المعايير ونشرها وتعميمها على المجتمع ككل. فحين يقترح الرأي إحداث “مدونة وطنية للسلوك المدني”، وتصنيفات جهوية ومحلية للمؤسسات التربوية، وجوائز سنوية للتميز، ومرصد وطني لقياس “تحولات” السلوك، فإنه ينخرط في صياغة منظومة معيارية شاملة تحدد معيار “السلوك السوي” وتقيس الانحراف عنه، بصرف النظر عن مدى التزام هذه المنظومة بالأطر القانونية الصريحة. وهذا الانتقال من “القانون” إلى “المعيار”، كما يشير فوكو، لا يلغي العقاب، بل يضيف إليه طبقة جديدة من السلطة أكثر دقة وانتشارا، تعمل عبر المراقبة المستمرة، كالتذاكر الإلكترونية وكاميرات المراقبة وتطبيقات التبليغ وأنظمة الذكاء الاصطناعي لاستباق المخاطر التي يستحضرها الرأي في إضاءته الخاصة بالفضاءات الرياضية، أكثر مما تعمل عبر التدخل العقابي اللحظي وحده. ويمكن توضيح هذا الفرق بمثال متخيل لمؤسستين تعليميتين، كلتاهما ملتزمتان بالقانون، ولا تُسجَّل في حقهما أية مخالفة. هنا، المنطق العقابي التقليدي لا يجد أصلا للتدخل: إذ لا مخالفة، لا عقاب. لكن بمجرد إحداث “تصنيف جهوي ومحلي للمؤسسات التربوية في مجال السلوك المدني”، وإرفاقه بجوائز وتحفيزات للتميز، فإننا نصبح أمام إمكانية تكريس تفاوتات بنيوية جديدة: إذ قد يتحول هذا التصنيف -حتى دون قصد- إلى آلية لوصم مدارس في بيئات محدودة الموارد (على الهامش) تعاني أصلا من كثافة وتدهور في بيئتها المحيطة، مقابل مكافأة مدارس في مناطق ذات بنيات تحتية متكاملة تحظى بيئتها المجالية بالدعم والإنارة والصيانة سلفا، مما يفرغ الجائزة من معناها التنموي ويحولها إلى امتياز طبقي جديد يكرس الفرز والمفاضلة بين المؤسسات. هذه هي الطبقة الزائدة التي يضيفها فوكو إلى السلطة العقابية: سلطة لا تعاقب مخالفا فعليا، بل تُبقي الجميع، الملتزم وغير الملتزم على حد سواء، في وضعية تقييم وتحسين دائمين بالقياس إلى معيار متحرك.

وفي السياق ذاته، يستحضر “فوكو” في هذه المحاضرات فكرة أن المجتمعات الحديثة تستمر في إعادة إنتاج “خطاب الحرب” في الداخل، عبر تصنيف فئات معينة من السكان كتهديد كامن للنظام الاجتماعي يستوجب المراقبة والتصحيح المستمرين. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الإحصائيات التي يقدمها الرأي حول “بروفايل المتورطين”، أي الشباب والمياومون والعاطلون عن العمل وذوو المستوى التعليمي المحدود، ليس فقط كمعطى وصفي محايد، بل كعملية تصنيف اجتماعي تُحول فئات بأكملها إلى “بؤر خطر” يتعين على السياسات العمومية استهدافها واحتواؤها، بما قد يُعزِّز، عكس ما هو معلَن، الحدود الرمزية بين “المواطن الصالح” و“المنحرف المحتمل”، بدل أن يفكك هذه الحدود في اتجاه إدماج أعمق. ومثال ذلك: فحين يُسجَّل أن نسبة كبيرة من المتورطين في أعمال الشغب الرياضي هم في الفئة العمرية بين 10 و20 سنة، ومن ذوي المستوى الدراسي المحدود، ويقطنون في مدن تشهد منافسات محلية حادة، فإن أي شاب تتوفر فيه هذه الخصائص الثلاث مجتمعة قد يجد نفسه، في تصور بعض الفاعلين الأمنيين أو التربويين، “مشتبها به افتراضيا” قبل أن يرتكب أي فعل، لمجرد انتمائه إلى الفئة التي تنتجها الإحصائيات كأعلى نسب للمتورطين – وهي بالضبط الآلية التي وصفها “فوكو” حين تحدث عن استبدال الفرد المسؤول عن فعله بـ“الفئة السكانية” الموسومة بالخطر.

سادسا، يشكل استحضار كأس العالم 2030 خيطا ناظما للرأي بأكمله، بوصفه “فرصة سانحة” لتسريع التحول المنشود. وهذا الاستحضار المتكرر يُدخل التحليل في منطق ما يمكن نعته بـ“حكامة الحدث الاستثنائي”، حيث تُستخدم التظاهرات الكبرى لتبرير وتسريع تدخلات تنظيمية وسلوكية وأمنية قد لا تجد، في سياق عادي، نفس الأولوية أو القبول. والسؤال الذي يفرض نفسه هو سؤال الاستدامة: هل ستستمر هذه الديناميات وآلياتها المؤسساتية بعد أفق 2030، أم أن طابعها الظرفي والمشروط بحدث زمني محدد يجعلها عرضة لما يمكن وصفه بـ“التحول الخادع”، أي عودة الأمور إلى وضعها السابق بعد انتفاء الضغط الزمني الذي ولّدها؟ وللتوضيح، يكفي تأمل ما تشهده عادة المدن المستضيفة لتظاهرات كبرى من حملات مكثفة لتجميل الواجهات وإصلاح الطرقات والإنارة في المحاور التي يرتادها الزوار، في حين تظل الأحياء المحيطة، البعيدة عن هذه المحاور، خارج هذه الدينامية وما حدث كأس إفريقيا عنا ببعيد.

إن السؤال الذي يطرحه هذا المثال هو: هل ستحظى هذه الأحياء، التي تشير بيانات الرأي نفسه إلى أنها الأكثر تضررا من ضعف التجهيزات والصيانة، بنفس مستوى الاهتمام في إطار “المشروع الوطني للنهوض بالسلوك المدني” بعد 2030، أم أن أولويتها مرتبطة أساسا بصورة المغرب أمام الزوار خلال فترة الحدث؟

سابعا، يكشف الرأي عن تباين لافت في تمثلات المواطنين: فبينما يُفترض، وفق الوثيقة، أن المغرب يتوفر على منظومة تنشئة ممتدة ومتعددة الفاعلين (الأسرة، المدرسة، الإعلام، والمؤسسات الدينية) تُكسب الأفراد وعيا مدنيا ينعكس في تقييمهم العالي والإيجابي لالتزامهم الشخصي، فإن نسبة 86 في المائة من المستجوبين أيدوا -في مفارقة رقمية موازية- تشديد العقوبات والزجر. ورغم أن التقرير حاول تفكيك هذا التناقض (بين ادعاء الاستقامة المدنية فرديا وطلب القمع جماعيا) بإرجاعه إلى ‘الميل إلى المبالغة في التقييم الذاتي، إلا أن هذا التفسير السلوكي يظل قاصرا عن تفسير دلالة هذا الرقم بوجه دقيق ومقنع.

في المقابل، لو استحضرتُ هنا تمييز ‘بوريس سيرولنيك’ الذي صَدَّرنا به هذه القراءة حول جدلية ‘الثقافة’ و’الحضارة’، لَقَدَّم لنا آلة تفسيرية أفضل وأكثر عمقا: فهذا التوافق الواسع حول الردع يمثل -بحسب منطق ‘مونتين’- إدانة جماعية لسلوك الآخر بوصفه ‘بربرية’ أو خروجا عن اللباقة يستحق العقاب المعياري، بينما يُقيِّم الأفراد سلوكهم الشخصي انطلاقا من مرونة المعيار ‘الحضاري’ اليومي.

فعندما يُقدم سائق على ارتكاب مخالفة كـ “الوقوف المزدوج أو التوقف المؤقت في مكان محظور”، فإن تفسير التقرير يقف عند حدود “المبالغة في التقييم الذاتي”، معتبرا أن السائق يقع تحت تأثير انحياز تبريري.

لكن بالرجوع إلى تمييز “سيرولنيك”، نكتشف أن هذا الفرد يُدرج ممارسته الشخصية ضمن حقل “الحضارة، أي بوصفها نوعا من ‘المرونة التفاعلية’ والتأقلم الذي فرضته إكراهات بنيوية (كنقص مساحات التوقف)، لذلك يرى سلوكه كـ “تصرف توافقي عابر” محكوم بالحاجة والسياق. في المقابل، حين يقع الفرد نفسه ضحية للمخالفة ذاتها، فإنه يُجرد الفعل من أي سياق تبريري، ويحاكمه حصريا عبر منظار “الثقافة” لأن سلوك السائق الآخر يبدو له “فوضى مهددة للنظام العام” وعلامة على “البربرية”. ومن هنا يندفع تلقائيا لتأييد الخيار الردعي والمطالبة بتشديد العقوبات (وهو ما يفسر رقم الـ 86%).

ثامنا وأخيرا، يكتسي اختيار المجلس لموضوع “السلوكات المرئية” في الفضاءات العمومية، مع استبعاد صريح لأشكال أخرى من السلوك المرتبط بالمواطنة المسؤولة كالالتزامات الهيئات المنتخبة ومبادئ النزاهة المهنية، دلالة سياسية ضمنية تستحق التوقف. فهذا الاستبعاد، وإن كان مبررا منهجيا بحصر نطاق الرأي، يُعيد إنتاج توزيع غير متكافئ لمطلب “المدنية”: إذ تُطلَب بقوة من الفئات الشعبية -بحكم اضطرارها اليومي لارتياد الفضاء المكشوف في الشارع والملعب ووسائل النقل، أكثر مما تُطلَب من الأعلى، في فضاءات النزاهة والمساءلة المؤسساتية، وهي فضاءات “غير مرئية” بالضبط لأنها أقل قابلية للملاحظة المباشرة من طرف المواطن العادي، لكنها ليست أقل أهمية في تحديد جودة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

على سبيل الختام

 لا تُقلل هذه القراءة النقدية من قيمة الجهد التشخيصي والتشاركي الذي بذله المجلس، ولا من أهمية القضية المطروحة في ذاتها. بل إن الغرض منها هو استكمال التحليل بإضافة البعد البنيوي والسياسي الغائب نسبيا عن المقاربة السلوكية والتربوية السائدة في الرأي. فالسلوك المدني، كما تُعلِّمنا سوسيولوجيا الفعل الجماعي، ليس مجرد منظومة قيم تُغرَس أو تُهذَّب، بل هو أيضا نتاج لعلاقة ثقة متبادلة بين المواطن والمؤسسات، تُبنى بقدر ما تُبنى به جودة الخدمات، وعدالة توزيع الموارد، ومصداقية تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وبهذا المعنى، فإن أفق 2030، بدل أن يكون مجرد محطة لتجميل الفضاء العمومي، يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة التفكير في هذه العلاقة من جذورها، لا في مظاهرها فقط.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

بعد التحولات الدولية الكبرى لم يعد في ملف الصحراء سوى طريق الحكم الذاتي

15 يونيو 2026 - 10:36 م

لم تعد قضية الصحراء المغربية اليوم كما كانت قبل سنوات. فالتحولات التي شهدها الملف على المستويين الإقليمي والدولي، وما راكمته

المأساة الجماعية بين ماجدة داغر ومارينا تسفيتايفا

15 يونيو 2026 - 6:30 م

     حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر

شعار المملكة المغربية بين الهوية والشرعية

15 يونيو 2026 - 6:26 م

شعار المملكة المغربية بين الهوية والشرعية

الأمن والمنظورات الإقصائية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

15 يونيو 2026 - 5:55 م

تعتبر الرؤى والمنظورات المتطرفة القائمة على الإقصاء التام للآخر واقتطاعه من الوجود، سواء الوجود السياسي أوالجغرافي أوالثقافي أوالديني أوالفكري، من

من الفلاح المدافع عن العرش إلى التكنوقراطي راعي الأوراش: كيف تستورد الأحزاب المغربية قياداتها من خارجها؟

15 يونيو 2026 - 1:14 م

بات استقطاب شخصيات تكنوقراطية من خارج الحقل الحزبي، عشية الاستحقاقات الانتخابية أو في لحظات التحول الحكومي، ظاهرة موثقة في المشهد

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°