تشهد القارة الإفريقية تحولًا لافتًا في خريطة الوجهات السياحية الأكثر جذبًا، مع بروز المغرب كقوة صاعدة استطاعت خلال سنة 2025 أن تحسم الصدارة من حيث عدد الوافدين، متقدمة على مصر في سباق ظل لسنوات محسومًا لصالح القاهرة.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ، فقد استقبل المغرب حوالي 19.8 مليون سائح خلال 2025، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 14 في المائة مقارنة بالعام السابق، في حين بلغت أعداد السياح الوافدين إلى مصر نحو 19 مليون زائر، رغم تحقيقها بدورها نموًا سنويًا قويًا بنسبة 21 في المائة.
وهذا التفوق المغربي لا يعكس فقط انتعاشًا ظرفيًا، بل يترجم مسارًا تراكميًا من الإصلاحات والاستثمارات التي طالت البنية التحتية، والربط الجوي، وتنويع العرض السياحي، ما جعل المملكة أقل تأثرًا بالهزات الإقليمية وأكثر قدرة على جذب أسواق جديدة.
وتؤكد معطيات التقرير أن المغرب تجاوز بأكثر من 50 في المائة أرقامه المسجلة قبل جائحة كورونا، في وقت لا تزال فيه العديد من الوجهات الإفريقية تكافح للعودة إلى مستويات ما قبل 2020.
ويعزو مراقبون هذا الأداء إلى استراتيجية رسمية راهنت على السياحة الثقافية، والبيئية، وسياحة المدن، إلى جانب الاستفادة من التظاهرات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس إفريقيا للأمم التي تحتضنها المملكة.
في المقابل، ورغم الظروف الجيوسياسية الصعبة في المنطقة، أظهرت السياحة المصرية قدرة واضحة على الصمود، مدفوعة بالافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، وانتعاش السياحة الشاطئية في البحر الأحمر، إضافة إلى مشاريع إعادة تأهيل وسط القاهرة التاريخي. غير أن هذه الدينامية لم تكن كافية هذه السنة لتفادي فقدان الصدارة القارية.
ويرى خبراء في القطاع أن الفارق بين البلدين لا يُقاس فقط بعدد الزوار، بل أيضًا بنوعية التجربة السياحية وتوزيعها الجغرافي. ففي حين ينجح المغرب في تفادي الضغط المفرط على وجهة واحدة عبر توزيع التدفقات بين مراكش، وفاس، والرباط، وطنجة، وأكادير، لا تزال مصر تعتمد بشكل كبير على محاور محددة مثل القاهرة، الجيزة، ومنتجعات البحر الأحمر.
وتراهن الرباط، وفق الرؤية المعلنة، على بلوغ 26 مليون سائح سنويًا بحلول 2030، تزامنًا مع احتضان كأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو ما قد يعزز موقعها ضمن كبار الفاعلين السياحيين عالميًا، وليس فقط إفريقيًا.
أما القاهرة، فتسعى إلى رفع عدد الوافدين إلى 30 مليون سائح في أفق 2031، مستندة إلى إرث حضاري فريد وقدرات فندقية متنامية.
وفي ظل هذا السباق المتسارع، تبدو السياحة في شمال إفريقيا أمام مرحلة جديدة، عنوانها التنافس على الجودة والاستدامة، وليس فقط على الأرقام، مع ترجيحات بأن يشكل النموذج المغربي مرجعًا إقليميًا في كيفية تحويل السياحة إلى رافعة اقتصادية مستقرة وقليلة الهشاشة أمام الأزمات.




تعليقات الزوار ( 0 )