رغم المجهودات المالية الكبيرة التي رصدتها الدولة لإعادة تشكيل القطيع الوطني ودعم الكسابة، ما تزال أسعار الأغنام واللحوم الحمراء تثير جدلاً واسعًا في المغرب؛ خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار وضعف انعكاس الدعم على القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا الوضع أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية السياسات العمومية المرتبطة بتدبير القطاع الحيواني، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية المنتج وضمان استقرار السوق.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه المعطيات الرسمية توفر المغرب على عشرات الملايين من رؤوس الماشية، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة العرض الحقيقي داخل الأسواق، والفارق بين الأرقام النظرية والوفرة التجارية الفعلية، كما تطرح هذه الأزمة إشكالات مرتبطة بالوساطة والمضاربة وآليات توزيع الدعم، ومدى نجاعة تدخلات الدولة في ضبط الأسعار وحماية المستهلك والكساب في آن واحد.
❖ أرقام ضخمة
يبرز إدريس الفينة، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، أن أزمة أسعار الأغنام كشفت أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بغياب المعطيات أو ضعف الإحصاء، وإنما بعجز هذه الأرقام عن التحول إلى عرض فعلي داخل السوق يستفيد منه المواطن بشكل مباشر.
وأوضح الفينة في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الإحصاء الوطني المنجز ما بين 26 يونيو و11 غشت 2025 سجل ما مجموعه 32.832.573 رأسًا من الماشية، موزعة بين 23.158.248 رأساً من الأغنام، و7.474.172 من الماعز، و2.094.109 من الأبقار، إضافة إلى 106.044 من الإبل، مشيراً إلى أن قاعدة البيانات شملت حوالي 1.2 مليون كساب بمختلف مناطق المملكة.
وأضاف أن هذه الأرقام تتماشى مع التصريحات الحكومية التي تحدثت عن توفر المغرب على ما بين 30 و40 مليون رأس من الماشية، في وقت جرى فيه تخصيص غلاف مالي يقارب 12.8 مليار درهم لدعم الكسابة وإعادة تكوين القطيع الوطني، بينما رصد للشطر الأول وحده حوالي 5.5 مليارات درهم، صرف منها ما يقارب 5.2 مليارات لفائدة نحو 1.1 مليون كساب.
❖ عرض محدود
يشير الفينة إلى أن ضخامة الأرقام المسجلة في الإحصاء لا تعني بالضرورة وجود وفرة حقيقية في السوق، لأن الأسعار لا تتحدد بعدد الرؤوس الموجودة على الورق، بل بحجم القطيع الجاهز فعلياً للبيع والذبح.
وأردف أن جزءًا مهمًا من القطيع يتم الاحتفاظ به لأغراض التوالد وإعادة تشكيل القطيع، خاصة الإناث، وهو ما يجعل نسبة مهمة من الرؤوس غير معروضة بالسوق في الوقت الحالي، رغم احتسابها ضمن الأرقام الرسمية المتداولة.
وشدد على أن هذا المعطى يفسر استمرار محدودية العرض التجاري رغم تجاوز القطيع الوطني سقف 32 مليون رأس، معتبرًا أن النقاش الحقيقي يجب أن يركز على حجم القطيع القابل للتسويق، وليس فقط على العدد الإجمالي المسجل في الإحصاءات الرسمية.
❖ دعم غير مباشر
يعتبر الفينة أن الدعم العمومي الموجه للقطاع لم يكن يستهدف بشكل مباشر تخفيض الأسعار لفائدة المستهلك، بل انصب أساسًا على حماية المربي والحفاظ على القطيع الوطني، خاصة الإناث المخصصة للتوالد، بهدف ضمان استمرارية النشاط الفلاحي وتفادي انهيار الثروة الحيوانية.
وأوضح أن هذا التوجه يجعل الدعم يخفف جزئيًا من الضغط المالي على الكساب، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض أسعار الأضاحي أو اللحوم، خصوصًا في غياب شروط واضحة تربط الاستفادة من الدعم بتزويد السوق أو احترام سقف معين للأسعار.
وأضاف أن غياب آليات مراقبة دقيقة لهوامش الربح بين مختلف المتدخلين يحد من أثر الدعم على السوق، حيث يمكن أن تستفيد بعض الحلقات الوسيطة من الأموال العمومية دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على المواطن النهائي.
❖ هيمنة الوسطاء
يؤكد الفينة على أن أحد أبرز الاختلالات التي تؤثر على أسعار الأغنام يتمثل في تعدد حلقات الوساطة بين الكساب والمستهلك، إذ تمر الأضحية عبر عدة مراحل تشمل الشراء من الضيعات، ثم النقل والتجميع والسمسرة والبيع بالجملة، قبل وصولها إلى البيع النهائي.
ولفت إلى أن كل حلقة من هذه الحلقات تضيف هامش ربح جديداً، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار تدريجيًا، خاصة في الفترات التي يرتفع فيها الطلب بشكل كبير، كما يحدث قبيل عيد الأضحى.
وأردف أن عامل الزمن يتحول بدوره إلى وسيلة ضغط داخل السوق، لأن بعض المتدخلين الذين يتوفرون على القطيع يعمدون إلى تأخير البيع انتظارًا لارتفاع الأسعار، وهو ما يفاقم المضاربة ويزيد من الضغط على المستهلكين.
واعتبر أن تدخل مصالح وزارة الداخلية ووزارة الفلاحة أصبح ضروريًا لحماية التوازن بين حقوق الكساب والقدرة الشرائية للمواطن.
❖ أسئلة حقيقية
يرى الفينة أن النقاش العمومي لا ينبغي أن يتوقف عند الترويج لأرقام القطيع الوطني، لأن توفر المغرب على 30 أو 40 مليون رأس لا يكفي وحده للحكم على وضع السوق أو تفسير مستويات الأسعار الحالية.
وأوضح أن الأسئلة الجوهرية اليوم تتعلق بعدد الرؤوس المعروضة فعليًا داخل الأسواق، والجهات التي تتحكم في إخراجها وتوقيت تسويقها، إضافة إلى حجم الفوارق بين السعر الذي يبيع به الكساب والسعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
وشدد الفينة على أن معالجة أزمة أسعار الأغنام تقتضي الانتقال من منطق الإحصاء والدعم المالي فقط، إلى بناء منظومة متكاملة تضمن الشفافية في التسويق، وتراقب هوامش الربح، وتربط الدعم العمومي بأهداف واضحة تتعلق بتزويد السوق وتحقيق التوازن السعري.


تعليقات الزوار ( 0 )