لم يكن انخراط المغرب في اتفاقيات أبراهام سنة 2020 مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل شكل انتقالًا نحو مرحلة جديدة في هندسة علاقاته الخارجية، حيث تداخلت الاعتبارات السياسية المباشرة مع الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى. فقد جاء هذا القرار في سياق تفاهم ثلاثي بين المغر وإسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق لهذا المسار لا تتوقف عند لحظة التوقيع، بل تمتد إلى طبيعة الديناميات التي أعقبت الانفتاح، وإلى أنماط الحضور الإسرائيلي المتزايد في مجالات متعددة داخل المغرب. فمن منظور العلاقات الدولية، لا تتحرك الدول فقط بمنطق الاتفاقات الرسمية، بل أيضًا بمنطق التمدد الناعم عبر الاقتصاد، التكنولوجيا، الأمن، والثقافة، وهو ما يجعل أي انفتاح دبلوماسي يحمل معه قابلية التوسع التدريجي في مجالات كانت تقليديًا أكثر تحفظًا.
في هذا السياق، يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالمغرب ضمن إطار استراتيجي أوسع لا يقتصر على البعد الثنائي، بل يرتبط بإعادة تموضع في شمال إفريقيا، وبناء شراكات في محيط جيوسياسي يكتسي أهمية في مجالات الأمن البحري، الطاقات، والتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى البعد الرمزي المرتبط بالجاليات والذاكرة اليهودية المغربية. هذا النوع من الحضور لم يُعلن بصيغ سياسية مباشرة، بل تجسد عبر تعاون اقتصادي، اتفاقيات تقنية، ومبادرات ثقافية وأكاديمية.
لكن هذا التمدد، حتى وإن كان يُقدَّم رسميًا في إطار التعاون وتبادل المصالح، إلا أنه يثير داخل الأوساط المدنية المغربية أسئلة حساسة حول حدوده الفعلية دلالاته المستقبلية، خاصة عندما ينتقل من مستوى الدولة إلى المجال العمومي. فأضحت الأحداث والاتفاقات المختلفة تُظهر أن هذه العلاقات الاستراتيجية غالبًا ما تبدأ من بوابات رسمية، ثم تتوسع تدريجيًا نحو مجالات أوسع تشمل التعليم، الإعلام، الاقتصاد المحلي، وحتى الرمزية الثقافية، وهو ما يجعل مسألة ”الضبط السياسي“ لهذه العلاقات هو الحد الحاسم في الحفاظ على السيادة المجتمعية والاستقرار الأمني.
في الداخل المغربي، لم يمر هذا التحول دون نقاش. فقد عبّرت قوى مدنية وهيئات مجتمعية وسياسية ممثلة في الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع عن رفضها للتطبيع مع كيان محتل يقوم على عقيدة فاسدة، ثم تخوفها من أن يؤدي تسارع هذا الانفتاح إلى إعادة تشكيل هادئة للمجال الرمزي والاجتماعي، واختراق ناعم للهوية المغربية، خصوصًا في ظل غياب نقاش سياسي رسمي يحدد بدقة سقف هذا الانخراط ومجالاته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية بعض الوقائع التي أُثيرت في الرأي العام، مثل ما تم تداوله حول أحداث بمدينة مراكش حينما أقدم وفد يهودي على أداء طقوسه التلموذية في الفضاء العام بباب دكالة، والتي اعتُبرت لدى الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين مؤشراً على انتقال الخلاف من المجال السياسي إلى المجال الرمزي العام. بغض النظر عن تفاصيل كل حادثة على حدة، فإن دلالتها الأساسية تكمن في كيفية تلقيها والسماح بها ، حيث تتحول الأحداث الصغيرة إلى رموز مكثفة داخل سردية أوسع حول حدود الحضور الأجنبي في الفضاء العمومي المغربي. وهذا يعكس ليس فقط طبيعة الفعل، بل أيضًا هشاشة السلطة الإدارية التي يُفترض أن تدبر هذه الاختلالات.
من جهة أخرى، إن العلاقات الدولية لا تُدار عادة بمنطق أحادي الاتجاه، بل بمنطق تلاقي مصالح متبادلة، وإن كانت غير متكافئة في بعض الأحيان. فإذ كان المغرب، من جانبه، يسعى إلى تنويع شراكاته وتعزيز موقعه الإقليمي، بينما يسعى الكيان الإسرائييل إلى توسيع شبكة علاقاته في فضاءات جديدة، والهروب إلى مجالات تفتح له بوابة الدخول إلى الجغرافية السياسية في بعدها الاستراتيجي، ما يجعل العلاقة بين الطرفين غير قائمة على توازن دقيق بين الحاجة المتبادلة والحساسية السياسية.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة هذه المصالح، بل في كيفية إدراكها داخل المجتمع. فكلما غاب النقاش العمومي المؤطر الذي يرفع منسوب الوعي بالمشروع الصهيوني الاستراتيجي عند المواطن المغربي، وكلما لم تُحدد بوضوح الحدود بين الانفتاح السياسي والمجالات الرمزية الحساسة لسيادة الدولة والمجتمع، زادت قابلية تحويل التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني والأحداث المتفرقة إلى دلالات كبرى على التمدد والاختراق.
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال المطروح اليوم هو: هل يوجد تطبيع للعلاقات وتعاون مغربي إسرائيلي؟ فهذا واقع معلن ومؤطر. بل السؤال الأعمق هو: كيف يمكن الحد من امتداده داخل كيان المجتمع المغربي الذي يطمح إلى حماية مجاله الرمزي والثقافي؟ وكيف يمكن تفادي تحول العلاقات الدولية إلى مصدر اختراق ناعم للهوية المغربية وتوتر داخلي بين مكونات الشعب المغربي الذي يرفض في غالبيته أي علاقة مع الكيان المحتل لمقدسات المسلمين بدولة فلسطين؟ وما هي محددات المصلحة العامة في الدولة المغربية أمام هذا الرفض الشعبي لاستمرار تطبيع العلاقات مع كيان محتل ويجهر برغبته في التوسع على حساب سيادة الدول؟ إن التحدي الاستراتيجي الحقيقي أمام المغرب يكمن في القدرة على ضبط إيقاع العلاقات الدبلوماسية الدولية، وتحديد وجهاتها، مما يضمن له الاستقرار الاستراتيجي والموقع الإقليمي الذي يستحقه، واستقلال القرار السيادي، حتى لا تتحول هذه السياسة الخارجية إلى سرديات صدامية وهواجس تهدد مستقبل البلد واستقراره.
باحث في العلوم السياسية والقانون العام





تعليقات الزوار ( 0 )