شهدت مالي في 25 أبريل 2026، سلسلة من الهجمات الإرهابية المنسّقة، استهدفت عدداً من المدن والمواقع الاستراتيجية، من بينها باماكو، وكاتي (القاعدة العسكرية)، وموبتي، وغاو، وكيدال بالشمال، وسيكاسو وسيفاري. وقد تبنّت هذه العمليات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وذلك بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تقدّم السلطات المالية حصيلة دقيقة ومفصلة لهذه الهجمات، رغم إعلانها عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وتحييد أكثر من 200 عنصر إرهابي، إضافة إلى سقوط عدد غير محدد من المدنيين والعسكريين. في المقابل، ترجّح بعض التقارير الإعلامية أن يتجاوز عدد الضحايا ألف قتيل، وهذا ما يعكس حجم الضبابية التي لا تزال تكتنف المشهد الأمني.
في هذا السياق، يبرز تحوّل جيوسياسي بالغ الأهمية يتمثل في التحالف بين مجموعنين مسلحتين ارهابيتين مختلفتي الانتماء الأيديولوجي وهما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد؛ وهو تطور يعيد تشكيل موازين القوى داخل المجال المالي. كما تندرج هذه الهجمات ضمن استمرارية موجة العنف الإرهابي التي تضرب البلاد منذ عام 2011، حيث تكشف قراءة التوزيع الجغرافي للعمليات عن نوع من التقاسم الوظيفي للمجال الترابي: فالشمال يشهد نشاطاً أكبر للحركات الانفصالية الأزوادية، بينما يظل الوسط والجنوب مجالاً رئيسياً لتحركات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

ومن خلال تحليل المسار التاريخي للهجمات الإرهابية في مالي، يمكن تسجيل جملة من الملاحظات الأساسية:
ـ أولاً، لا تزال مالي تُعد من بين أكثر الدول تضرراً من الإرهاب على الصعيد العالمي. ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي؛ إذ أصبحت منطقة الساحل، ولأول مرة، تستأثر بأكثر من نصف إجمالي ضحايا الإرهاب المسجلين عبر العالم.ـ
ـ ثانياً، شهدت وتيرة الهجمات ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 2012، قبل أن تتصاعد بشكل أكبر ابتداءً من فبراير 2014. وبعد فترة هدوء نسبي في عام 2015، عادت موجة العنف لتتفاقم منذ 2017، لتبلغ ذروتها الدموية خلال عامي 2021 و2022. ورغم تسجيل تراجع نسبي لاحقاً، فإن عام 2026، وخاصة شهر أبريل، شهد عودة قوية للتصعيد.
ـ ثالثاً، شكّل عام 2022 محطة مفصلية، حيث وجّهت السلطات المالية اتهامات مباشرة لجهات إقليمية، وفي مقدمتها الجزائر، بالتساهل مع بعض الجماعات المسلحة في شمال مالي، وبتوفير فضاء وساطة اعتُبر مفرط الانحياز لهذه الجماعات. وفي 2023، صعّدت باماكو من لهجتها باتهام الجزائر بدعم سياسي مباشر لمجموعات الطوارق، قبل أن يُعاد طرح مسألة الدور الجزائري في 2024، عقب إسقاط طائرة استطلاع مالية من طرف الجزائر في 31 مارس. وفي 2025، اعتبرت دول الساحل هذا الحادث «مناورة خبيثة» من الجزائر تهدف إلى تغذية الإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي. كما اتهم رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا بمقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 26 سبتمبر 2025، الجزائر صراحةً بـ«دعم الإرهاب الدولي» والحفاظ على «علاقات وثيقة مع الجماعات الإرهابية»، وذلك عقب إحباط عملية تهريب أسلحة ومعدات كانت موجهة لهذه الجماعات في يوليو من العام نفسه.
العلاقة بين الجزائر والإرهاب في مالي
تعود أولى مظاهر الإرهاب المرتبط بمالي إلى مارس 2003، مع اختطاف 32 سائحاً أوروبياً في جنوب الجزائر، قبل نقلهم إلى شمال مالي من طرف الجماعة السلفية للدعوة والقتال. وبحسب تقرير “Country Reports on Terrorism 2004” الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، قاد هذه العملية عماري صايفي، المعروف بعبد الرزاق البارا، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة وحارس شخصي سابق للجنرال نزار. وقد أشار التقرير إلى أن السلطات التشادية اعتقلته وسلمته إلى الجزائر، لكن دون أن تخضعه هذه الأخيرة لأي محاكمة، رغم مطالبات قضائية دولية، من بينها طلب سويسرا والتي لم تتم الاستجابة إليها من طرف السلطات الجزائرية.
ويُشار إلى أن البارا، على غرار عدد من المسلحين الجزائريين، استفاد من قانون الوئام المدني الذي أُقرّ بعد «العشرية السوداء»، في إطار سياسة يُعتقد أنها سمحت بإعادة توظيف بعض العناصر داخل شبكات مسلحة ارهابية. وينطبق هذا النموذج أيضاً على شخصيات أخرى، مثل عدي أيوب، قائد مجموعة الفرقان.
وتقود قراءة المعطيات المتوفرة إلى إبراز ارتباط بين حالة عدم الاستقرار في مالي والجزائر على مستويين رئيسيين:
أولاً، على مستوى الفاعلين، إذ تُظهر المعطيات أن الجماعات التي تبنّت هجمات 25 أبريل تضم عناصر وقيادات من أصول جزائرية، أو سبق أن وجدت ملاذاً داخل التراب الجزائري. كما تشير تقارير متعددة إلى وجود دعم لوجستي لعدد من الجماعات الإرهابية والتي تتمثل في:
ـ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين: وهي تحالف جهادي يضم عدة فصائل، من بينها أنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا والمرابطون، إضافة إلى فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وقد تأسست في مارس 2017 بقيادة إياد أغ غالي، الذي ينشط في منطقة تنزواتين جنوب الجزائر.
ـ تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى: والذي نشأ من اندماج عدة جماعات، ويرتبط اسمه بأبي الوليد الصحراوي، المولود في العيون، والذي يُعتقد أنه تأثر بالفكر المتطرف خلال تواجده في مخيمات تندوف وجامعة قسنطينة بالجزائر. وقد أسس التنظيم بعد مبايعته لتنظيم داعش، واشتهر دولياً عقب هجوم تونغو تونغو في النيجر سنة 2017.
ـ جبهة تحرير أزواد: وهي تحالف انفصالي ذو طابع سياسي-عسكري، ينشط في شمال مالي، وقد أعلن مسؤوليته كذلك، إلى جانب الجيش الجزائري، عن إسقاط الطائرة المالية في نهاية مارس 2025.
ـ ثانياً، على مستوى السياق الجيوسياسي، حيث يكشف تحليل توقيت الهجمات عن ارتباطه بعدة متغيرات:

- العلاقات بين مالي والمغرب: إذ غالباً ما تتزامن فترات التقارب بين باماكو والرباط مع تصاعد في الهجمات الإرهابية؛ أولا مع اتهام مالي لجبهة البوليساريو بالضلوع في أنشطة غير مشروعة والتنسيق مع تنظيمات إرهابية في 2010 عرفت وثيرة الهجمات الإرهابية تزايد في 2011 و2012. ثانيا، يظهر الترابط الكبير بين تزايد أعداد الهجمات الإرهابية بمالي في 2014 و2015 و استقبال المغرب لقيادات أزوادية لحل الأزمة في شمال مالي (بلال أغ الشريف وموسى أغ الطاهر) في مراكش عام 2014، والتي أعقتبها زيارة جلالة الملك محمد السادس لباماكو في فبراير 2014 مما أدى الى تجاوز عدد الهجمات سقف 200 حدث إرهابي وتجاوز الضحايا عدد 400 قتيل في السنتين اللتان تلتا الزيارة الملكية.
- غير أن وثيرة العنف ستعرف تراجعا كبيرا ارتباطا بتحولات الأجهزة الأمنية الجزائرية: خاصة بعد حل جهاز الاستخبارات (DRS)في 2015، وما ترتب عنه من تغير في ديناميات الضبط الإقليمي وبالتالي تراجع الهجمات في 2016.
- ومع تزايد متانة العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية مع المغرب في عهد الرئيس الراحل أبوبكر كايتا، عرفت مالي حدة في الهجمات خلال سنوات 2016-2020
- وارتباطا بالتفاعلات الدولية بعد أحداث 2020، نسجل تباين مواقف كل من المغرب جهة والجزائر وفرنسا من جهة ثانية اتجاه التغيير السياسي في مالي. فإذا كان المغرب اعقد عبر عن متباعته للأوضاع وعن قلقه إزاء التطورات السياسية والأمنية بمالي مع دعوته الى الحوار المسؤول مع ضرورة الحفاظ على استقرار ووحدة مالي، نجد ان الجزائر و فرنسا سارعتا الى إدانة الوضع السياسي الجديد ورفض الحكام الجدد، وهو ما تزامن مع تصعيد أمني كبير في 2021 و2022.
- وأخيراً، هجمات 25 أبريل 2026، التي جاءت في سياق حساس وتبرز بجلاء الدور المحتمل للجزائر في إذكاء الهجمات الإرهابية ؛ إذ وبعد أسبوعين من سحب مالي اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وبعد نشر تقارير تفيد بتبادل معلومات أمنية مع الولايات المتحدة بشأن لائحة الموطنين الماليين الذين توجهوا في فترات سابقة الى مخيمات تندوف، نجد ان الحركات الإرهابية نسقت هجماتها بالرغم من اختلافاتها الأيديولوجية. وهو ما يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى عبور مئات من عناصر البوليساريو (600 عنصر) عبر الجنوب الجزائري للمشاركة في هذه الهجمات.
في المجمل، تعكس هذه التطورات تداخلاً معقداً بين البعد الأمني والجيوسياسي، حيث لم يعد الإرهاب في مالي مجرد ظاهرة محلية، بل أصبح جزءاً من شبكة إقليمية متشابكة تتقاطع فيها المصالح والصراعات والنفوذ وخاصة مصالح الجزائر في الساحل الصحراوي.
*أستاذ باحث بجامعة محمد الخامس وباحث بالمرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية





تعليقات الزوار ( 0 )