تشهد قضية الأمن الطاقي نقاشا متجددا في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع منسوب المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، وبين رهانات السيادة الاقتصادية وضغوط الانفتاح على السوق الدولية، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة الدول على التحكم في مواردها الحيوية، خاصة في قطاع الطاقة.
في هذا السياق، تعود مصفاة “سامير” إلى واجهة الجدل كأحد أبرز الملفات التي تعكس تعقيد الاختيارات الاقتصادية بين منطق الربحية الآنية ومتطلبات الاستقلال الاستراتيجي، ويزداد النقاش حدة مع استمرار الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، وما يطرحه ذلك من تحديات على مستوى التحكم في الأسعار وضمان استقرار السوق.
-جدوى مفقودة
يشير علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، إلى أنه لم يعد مفهوما هذا التعنت في القول بأن مصفاة “سامير” غير ضرورية، إذ يتعلق الأمر بوحدة كانت تنتج 200 ألف برميل مكرر من النفط يوميًا، بقدرة سنوية تصل إلى 10 ملايين طن، وكانت تغطي حوالي 65 في المائة من الحاجيات الوطنية.
وأبرز الغنبوري في تصريح الجريدة “الشعاع”، أنه رغم هذه الأرقام، يروج اليوم لكون هذه المصفاة غير ضرورية، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول منطق هذا الطرح.
وأضاف أن مصفاة بقدرات تخزينية تقارب 71 يومًا، تصبح في نظر البعض غير ذات جدوى، في وقت لا يتجاوز فيه التخزين الوطني 30 يوما في أحسن الأحوال.
واعتبر أن هذا التناقض يزداد وضوحا إذا استحضرنا أن المصفاة كانت توفر هامش ربح للاقتصاد الوطني يناهز 20 دولارًا للبرميل مقارنة بشراء النفط المكرر من الخارج، ومع ذلك يُقال إنها لن يكون لها أي انعكاس على الأسعار.
وأردف رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن الأمر يزداد غرابة عندما يطرح هدف تحقيق السيادة الطاقية في ظل استيراد 100 في المائة من الحاجيات من المواد النفطية.
ولفت إلى أن هذا الواقع يجعل من القول بعدم ضرورة المصفاة طرحا يفتقد للمنطق، بل ويعكس مفارقة واضحة بين الأهداف المعلنة والوسائل المعتمدة.
-زمن طاقي
يرى الغنبوري أن ما يجب أن يفهمه الجميع هو أن غياب “سامير” يعني فقدان أداة للتحكم في الزمن الطاقي، أي القدرة على الشراء عندما تنخفض الأسعار والتخزين، ثم التكرير والتوزيع وفق إيقاع وطني، بدل الخضوع لإملاءات السوق الدولية.
ونبه إلى أنه في الوضع الحالي، يتم الشراء وفق توقيت مفروض، وبأسعار وشروط لا يتم التحكم فيها، وهو ما لا يمثل مجرد ضعف ظرفي، بل يعكس اختلالا بنيويا يجعل الاقتصاد الوطني مكشوفا أمام مختلف الصدمات الخارجية، سواء تعلق الأمر بحروب أو أزمات لوجستية أو حتى مضاربات مالية في الأسواق العالمية.
واستطرد أن الدول التي تتوفر على مصافيها لا تشتري الطاقة فقط، بل تكتسب أيضا القدرة على التفاوض، والتحكم في التوقيت، وتقليص كلفة اللايقين، مبرزا أنها عناصر حاسمة في بناء اقتصاد قادر على مواجهة التقلبات الدولية.
-رافعة سيادية
يعتبر الغنبوري أن الاستمرار في تبرير هذا الوضع بخطاب عدم الجدوى يمثل في العمق، اختزالا لوظيفة المصفاة، وكأنها مجرد وحدة إنتاج تجارية، بينما هي في الحقيقة رافعة سيادية بامتياز.
وأردف أن ” سامير” لم تكن فقط تكرر النفط، بل كانت تعيد توزيع القيمة داخل الاقتصاد الوطني، وتخلق نوعا من التوازن في السوق، وتحد من تغول الفاعلين، كما كانت تمنح الدولة أداة تدخل غير مباشرة لضبط الأسعار.
ولفت إلى أن النظر للمصفاة من زاوية الربح المباشر فقط يغفل أدوارها الهيكلية في دعم السيادة الاقتصادية وتعزيز القدرة على التدخل في السوق، وهو ما يجعل من النقاش حولها يتجاوز البعد التقني إلى رهانات استراتيجية أوسع.




تعليقات الزوار ( 0 )