ليست العلاقة المغربية ـ الإماراتية طارئة على خرائط المصالح، ولا وليدة ظرف عابر فرضته تقلبات الإقليم، بل هي من ذلك النسيج النادر الذي تَشَكَّل على مهلٍ من الثقة قبل السياسة، ومن المعرفة المتبادلة قبل الحسابات. ولهذا فإن الأزمات، بدل أن تربك هذا المسار، كانت في كل مرة تكشف معدنه الحقيقي: علاقة لا تُدار بمنطق المجاملة الدبلوماسية، بل بمنطق الشراكة التي تعرف كيف تقف مبكرًا، وكيف تنحاز بوضوح، وكيف تترجم الموقف إلى أثر.
في لحظات الهدوء، يمكن لكثير من العلاقات الدولية أن تبدو متماسكة في البيانات والصور والزيارات. أما في لحظات التهديد، فلا يبقى من الحقيقة إلا ما يثبته السلوك. وهنا بالذات تبرز خصوصية الرباط وأبوظبي. فالمغرب لم يتعامل يومًا مع أمن الخليج بوصفه شأنًا بعيدًا جغرافيًا، بل باعتباره امتدادًا عضويًا لأمن عربي تتكامل فيه الجبهات وتترابط فيه المخاطر. والإمارات، من جهتها، لم تنظر إلى المغرب باعتباره حليفًا مناسبًا في المحافل فحسب، بل شريكًا استراتيجيًا راسخًا في القضايا الكبرى، يتقدمها دعم وحدة المغرب الترابية ومساندة خياراته السيادية في مواجهة التحديات الإقليمية. وقد تجسد ذلك رسميًا في مواقف إماراتية متكررة داعمة للمغرب، من بينها افتتاح القنصلية الإماراتية في العيون، وتجديد تأييد الرباط في كل ما تتخذه لحماية وحدتها الترابية وأمنها. 
ولذلك لا يصح أن تُقرأ متانة العلاقة بين البلدين بوصفها تعاونًا ثنائيًا عاديًا. الأصح أنها علاقة تأسست على إدراك مبكر بأن المنطقة لم تعد تحتمل الحياد الرمادي عندما يتعلق الأمر بتهديد الدول الوطنية، أو ابتزاز الممرات، أو توسيع النفوذ عبر الوكلاء والتنظيمات العابرة للحدود. من هنا اكتسب الاصطفاف المغربي إلى جانب الخليج، ومنه الإمارات، دلالته الخاصة: فهو ليس اصطفافًا عاطفيًا، ولا استجابة لحسابات آنية، بل اختيار استراتيجي ينهض على تقدير عميق لطبيعة الخطر نفسه. 
وهذا ما يجعل البعد الإيراني في هذه المعادلة بالغ الأهمية. فالمغرب سبق أن قطع علاقاته مع طهران سنة 2018، معلنًا اتهامها بدعم جبهة البوليساريو عبر حزب الله، في خطوة لم تكن مجرد خلاف دبلوماسي، بل تعبيرًا عن وعي مغربي مبكر بأن التهديد الإيراني لا يتحرك فقط في المشرق، بل يسعى إلى فتح منافذ نفوذ في المجال المغاربي أيضًا، عبر الاستثمار في الكيانات الانفصالية وشبكات الوكلاء. وحين نضع هذا المعطى إلى جانب التهديدات الإيرانية لأمن الخليج والملاحة الإقليمية، يصبح التقارب المغربي ـ الإماراتي أكثر من تحالف مصالح: إنه التقاء بين دولتين خبرتا، كلٌّ من زاويته، معنى استهداف الدولة الوطنية من خارجها، ومعنى توظيف الفوضى والميليشيا والابتزاز الجيوسياسي أداةً لإعادة تشكيل الإقليم. 
ومن هنا أيضًا يُفهم لماذا بدت الرباط، في أزمنة التوتر الكبرى، أقرب إلى منطق المبادرة منها إلى منطق الترقب. فالتقارير المتخصصة لم تتحدث فقط عن تضامن سياسي، بل عن دعم ذي طبيعة عملية في لحظة اشتداد الهجمات الإيرانية على الخليج. وموقع Africa Intelligence نشر بالفعل تقريرًا بعنوان: Rabat and Cairo’s military support for Gulf states in face of Iran bombs في 21 أبريل 2026، بما يعزز صورة المغرب بوصفه طرفًا يرى أن حماية استقرار الخليج ليست شأنًا خطابيًا، بل شأنًا يقتضي إسنادًا يتجاوز اللغة إلى الفعل، وإن كانت بعض التفاصيل المتداولة عربيًا حول هذا التقرير تحتاج إلى تمييز مهني بين ما ثبت عنوانًا ومضمونًا عامًا، وبين ما أضيف في إعادة التداول الإعلامي خارج النص الأصلي الكامل المحجوب بالاشتراك. 
وإذا كان التاريخ الطويل للعلاقات بين البلدين يمنح هذا المسار عمقه، فإن الرمزية القيادية تمنحه روحه. فبين إرث الشيخ زايد، بما مثّله من إنسانية سياسية عابرة للحدود، ورؤية الملك الحسن الثاني، بما عُرف عنه من براعة في قراءة التحولات وتدبير التوازنات، تأسست أرضية عالية من الاحترام المتبادل، لم تبق حبيسة الذاكرة، بل انتقلت إلى الجيل اللاحق بصيغة أكثر رسوخًا وهدوءًا. وفي هذا الامتداد، يظهر بوضوح أن الملك محمد السادس وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لا يديران العلاقة بمنطق الاستعراض، بل بمنطق الدولة الواثقة: ثبات في الأزمات، هدوء في القرار، وانحياز للاستقرار لا يلتبس بالتردد، بل يتقوى بالحكمة. وآخر اتصال هاتفي بين القيادتين، كما نقلته وكالة أنباء الإمارات في 22 أبريل 2026، أعاد تأكيد التشاور والتنسيق في مواجهة تحديات المنطقة، بما فيها تداعيات التطورات على الأمن والاستقرار وأمن الملاحة والاقتصاد العالمي. 
لهذا كله، فإن العلاقة المغربية ـ الإماراتية لا يمكن اختزالها في لغة المصالح المباشرة. إنها علاقة تقول في لحظات الشدة ما تعجز عنه الخطب الطويلة: إن الدول الجادة تُعرف بوفائها المبكر، وأن التحالف الحقيقي ليس ما يُعلن عند الرخاء، بل ما يثبت عند الخطر. والمغرب، في هذا المعنى، لم يكن في صف الإمارات والخليج لأنه قريب فقط، بل لأنه رأى مبكرًا أن المعركة واحدة: معركة الدولة ضد الفوضى، ومعركة الاستقرار ضد الميليشيا، ومعركة الشرعية ضد مشاريع الإنهاك الطويل. وفي زمن تكثر فيه المواقف المؤجلة، تظل قيمة هذا التحالف أنه لا ينتظر اكتمال المشهد حتى يختار موقعه. 
أيمكن القول إذن إن الأزمات كانت امتحانًا لهذه العلاقة؟ نعم. لكن الأدق أن يقال: إنها كانت برهان، وهل كان الاصطفاف المغربي مجرد تضامن سياسي؟ الواقع يشير إلى أنه أعمق من ذلك وأصل، وهل يفسر هذا لماذا بقي الخط المغربي ـ الإماراتي من أكثر الخطوط العربية تماسكًا في زمن العواصف؟
لعل في الوقائع نفسها الجواب.





تعليقات الزوار ( 0 )