في كتاباتي السابقة قبل سنوات ، كنتُ أتساءل عن “أهداف” الدولة الإماراتية من تمويل الحروب ، وكنتُ أحذر من أن “السياسة لا تُدار بالانتهازية وحدها”. واليوم، وبعد أن سُمع دوي الصواريخ والمسيرات الإيرانية وهي تضرب العمق الإماراتي، لم يعد السؤال “ماذا تريدين يا دولة السعادة و التسامح ؟” كافياً، بل أصبح السؤال: “ماذا جنيتِ مما زرعتِ؟؟
لقد توقفت عقارب الساعة في أبوظبي، ليس فقط بسبب القصف، بل بسبب “الصمت المريب” الذي يحيط بهذا القصف، وهو صمتٌ يخفي خلفه ما هو أكثر دلالة من الضجيج هناك شماتة واضحة في الامارات من اقرب الاقربين و هذا بسبب السياسة الاماراتية العدوانية منذ الربيع العربي .
لقد ظنت الامارات أنها تستطيع أن تمسك العصا من المنتصف بين الغرب و ايران ؛ تستضيف القواعد الغربية، وفي الوقت ذاته تُفتح الأبواب للاقتصاد الإيراني، وتستخدم عملتها لمساعدة الروس للالتفاف على العقوبات. كانت اللعبة تبدو “ذكية” في وقت السلم، لكنها في لحظة المواجهة الحقيقية تبينت أنها “لعبة مكشوفة”. والآن، حينما أطلقت إيران صواريخها ومسيراتها، اكتشفت الإمارات أنها تقف وحيدة في مهب العاصفة، فالمناورة التي استغلتها للنمو الاقتصادي هي نفسها التي جعلت “حليفها” الغربي يراقب الموقف دون حماس، وجعلت “خصمها” الإيراني يرى فيها هدفاً سهلاً ومباحاً اي ان الامارات كانت تغذي عدوها الذي يريد ان يلتهمها و كانت مثل مجير ام عامر .
ما يثير الدهشة، وما يجب أن نقف عنده ملياً، هو هذا “الارتياح” الإقليمي والدولي الذي يرافق القصف. ليس من باب حب الحروب، ولكن من باب “تصحيح المسار”
: هناك شعور غربي بأن الدولة التي حاولت أن تتجاوز قواعد اللعبة الدولية وتستغل ثغرات العقوبات، آن لها أن “تدفع الثمن”. الصمت الغربي أو ردود الفعل الباهتة ليست ضعفاً، بل هي رسالة مفادها: “لقد تجاوزتِ حدود الدور المرسوم لكِ و لا يمكن ان تخدعينا و تتعاوني مع اعدائنا مثل روسيا و الصين دون ثمن .
وعربيا على المستوى الرسمي هناك ادانات خجولة لكن خلف الابواب المغلقة هناك ارتياح إقليمي بأن “البالون” الذي تضخم بغير حق قد انثقب. الجيران الذين عانوا لسنوات من التمدد والتدخل الإماراتي في شؤونهم يرون في هذه الضربات “توازناً قسرياً” يعيد الأمور إلى نصابها. إن هذا الارتياح ليس شماتة و حقد و غيرة ، بل هو نتيجة طبيعية لمن زرع التوتر في ساحات الآخرين و هذه نتيجة طبيعة لدولة تقبل على نفسها تمويل مرتزقة في دول اخرى للحصول على ميناء او على اطنان من الذهب و تسبب كل هذه المآسي و الجراح و الآلام.
لقد سقطت ورقة التوت عن السياسة الإماراتية؛ فلم تعد هي “واحة الاستقرار” التي يتغنى بها الإعلام، بل باتت جزءاً من الصراع المباشر الذي لا يرحم التي كانت عاملا مزعزعا ينشر الفوضى بحجة محاربة الاخوان كما تضربها ايران اليوم بحجة محاربة الامريكان.
هناك فرصة للامارات للرجوع عن هذه الخطايا و التصالح مع الشعوب العربية و الإسلامية الشماتة التي ظهرت في السوشيال ميديا هي جرس انذار لان السياسة الاماراتية خلال السنوات الماضية بنيت على غرور القوة و وهم ( العضلات الاقليمية ) لذلك سقط الغطاء العربي و الإسلامي عن الامارات بعد ان احتقارها لهويتها و دعمها لعناصر اليمين المتطرف الغربي كانت الامارات تصدق انها لاعب كبير لكنها اكتشفت انها مجرد ورقة في الصراع الدولي لذلك لاخيار أمام الامارات.
الاعتراف بأن سياسات السنوات السابقة كانت “مكلفة”. يجب البدء بمسار جاد للاعتراف بالأخطاء، والعمل على تعويض الشعوب والدول التي تضررت من التدخلات الإماراتية. هذا ليس ضعفاً، بل هو شجاعة سياسية و الادراك ان “العمق العربي والإسلامي” هو الحصن الحقيقي والوحيد. الرهانات السياسية على القوى الغربية متقلبة، بينما الروابط الثقافية والدينية هي الباقية وهو ما توصل إليه الاتراك بعد سنوات التيه.
ايران تلعب ضد الامارات دورا مرضيا عنه و من يقرأ الصحف ( المخابراتية ) البريطانية يعرف ان ايران اعادت تقديم نفسها للغرب من خلال استهداف الامارات و غلق مضيق هرمز ما يكبح النمو الاسيوي و هذا خبر سار للراسماليين الغربيين.
اقول لدولة الامارات عودي إلى رشدكِ، وتخلي عن طموحات التوسع التي لا تخدمك كدولة صغيرة الحجم محدودة السكان ، وانظري إلى محيطكِ العربي كأولوية قصوى. الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تضيق يوماً بعد يوم، و “لحظة الاستيقاظ” لا بد أن تكون الآن.
لن ينفعك تطبيع و لا تسامح و لا اموال بل ينفع الامارات اشقائها الذين تشترك معهم في الدين و اللغة و الثقافة.






تعليقات الزوار ( 0 )