لم يعد المشهد المناخي في المغرب يخضع لإيقاع الفصول التقليدي كما كان في السابق، حيث باتت التحولات الجوية تتسم بحدة غير مسبوقة، تجمع بين مظاهر متناقضة في زمن وجيز، وهذا التداخل بين موجات الحر الشديدة والتساقطات الرعدية العنيفة يعكس اختلالاً متزايدًا في التوازنات الطبيعية، ويطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه الظواهر.
وفي ظل هذه التحولات، تتجه الأنظار إلى تداعياتها المتعددة؛ خاصة على الموارد المائية والقطاع الفلاحي، باعتبارهما من أكثر المجالات هشاشة أمام التغيرات المناخية، وبين التحديات المتسارعة والاستراتيجيات المعتمدة، يجد المغرب نفسه أمام لحظة مفصلية تفرض إعادة التفكير في نماذج التدبير والتخطيط، بما يضمن التكيف مع واقع مناخي جديد يتسم بعدم اليقين.
❖ ربيع مضطرب
يوضح المصطفى العيسات، الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة، ومدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن فصل الربيع لم يعد يحتفظ بخصائصه المناخية التقليدية، حيث تحول إلى فترة تتسم باضطرابات حادة تجمع بين أمطار رعدية قوية وموجات حر خانقة في وقت وجيز.
واعتبر لعيسات في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا التباين السريع يعكس تصاعد حِدة الاختلالات المناخية التي باتت تضرب المملكة بشكل متكرر.
وأضاف أن هذا التناقض بين الغليان الحراري والاضطرابات الرعدية يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الظواهر، مؤكدًا أن المعطيات الحالية تشير إلى تجاوز التقلبات حدودها الطبيعية، ما يعزز فرضية حدوث تحول مناخي بنيوي يستدعي مراجعة السياسات العمومية.
وأشار إلى أن التفاعلات الجوية المرتبطة بصراع الكتل الهوائية لم تعد تفسر وحدها ما يجري، في ظل تسجيل مستويات غير مسبوقة من الاضطرابات، وهو ما يعكس دخول المغرب مرحلة مناخية جديدة تتسم بعدم الاستقرار.
❖مؤشرات مقلقة
يبرز المصطفى العيسات أن سنة 2024 صنفت كأحر سنة في تاريخ المغرب الحديث، بانحراف حراري بلغ 1.49 درجة مئوية فوق المعدل، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس تسارع وتيرة الاحترار المناخي.
ولفت الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة، إلى تسجيل 26 حدثًا مناخيا استثنائيا خلال سنة 2023؛ من بينها زخات رعدية عنيفة وموجات حر متكررة، ما يؤكد تغير طبيعة الظواهر الجوية من حيث الشدة والتكرار.
وأوضح أن هذه التحولات لا تهم المغرب وحده، بل تندرج ضمن دينامية أوسع تشمل منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تؤدي التغيرات في التيارات النفاثة وارتفاع حرارة المحيطات إلى خلق ظروف ملائمة لظهور ظواهر مناخية متطرفة ومفاجئة.
❖ أزمة المياه
فيما يتعلق بالموارد المائية، حذر المصطفى العيسات من تفاقم وضعية الندرة، مشيرًا إلى أن المياه الجوفية فقدت ما بين 20 و65 مترًا من منسوبها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهو ما يعكس حجم الاستنزاف الكبير.
وأردف أن أكثر من ثلث الفرشات المائية تعاني من التلوث أو الاستغلال المفرط، في حين انخفض إنتاج الطاقة الكهرومائية إلى النصف سنة 2021 مقارنة بعقد سابق، نتيجة تراجع مخزون السدود.
وأكد أن هذه المؤشرات تعكس ما وصفه بـ”الندرة المائية الهيكلية”، محذرًا من أن استمرار هذا المنحى، في ظل ارتفاع درجات الحرارة، قد يضع المغرب أمام تحديات حادة في أفق سنة 2050.
❖ فلاحة هشة
يرى المصطفى العيسات أن القطاع الفلاحي يوجد في قلب هذه التحولات، نظرًا لاعتماده المباشر على الظروف المناخية، موضحًا أن الإجهاد الحراري وتذبذب التساقطات يؤثران بشكل مباشر على مردودية المحاصيل.
وأشار إلى أن هذه الوضعية لا تهدد فقط الإنتاج الفلاحي، بل تمس أيضا الأمن الغذائي؛ خاصة في ظل اعتماد المغرب على استيراد جزء من حاجياته من القمح.
ونبه إلى أن أي اضطراب مناخي على المستوى الدولي قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار، وهو ما ينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من هشاشة الفئات الاجتماعية.
❖ استراتيجيات التكيف
في معرض حديثه عن سبل المواجهة، أكد المصطفى العيسات أن المغرب أطلق مجموعة من الاستراتيجيات للتكيف مع التغيرات المناخية؛ من بينها استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” التي تركز على دعم الفلاحة المستدامة.
وأشار إلى تخصيص 6.2 مليار درهم لدعم الإنتاج الحيواني، إضافة إلى إطلاق مشاريع مائية كبرى تشمل بناء السدود، وتسريع إنشاء محطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
وأبرز أهمية مشاريع ربط الأحواض المائية وتعميم تقنيات الري الموضعي، إلى جانب رفع سقف التزامات المغرب المناخية من خلال استهداف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53% بحلول سنة 2035.
❖ أفق المستقبل
يشدد المصطفى العيسات على أن ما يشهده المغرب اليوم يتجاوز كونه تقلبات عابرة، بل يمثل تحولاً عميقًا يفرض إعادة النظر في طرق تدبير الموارد.
وأكد على ضرورة تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، والاستثمار في البنية التحتية المرنة، وتمكين الفلاحين من الوسائل التكنولوجية الحديثة للتكيف مع هذه التحولات.
وأشار إلى أن القدرة على التكيف مع “المناخ المتطرف” لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة ملحة لضمان استدامة الموارد وتحقيق الأمن البيئي والاقتصادي للأجيال القادمة.


تعليقات الزوار ( 0 )