تشير تطورات المشهد الإقليمي في شمال وغرب إفريقيا إلى تحول لافت في طبيعة التنافس بين المغرب والجزائر، حيث لم يعد ملف الصحراء يشكل الساحة الوحيدة للمواجهة السياسية والدبلوماسية بين البلدين، في ظل انتقال التنافس نحو فضاءات جديدة ترتبط بالطاقة واللوجستيك والممرات التجارية الاستراتيجية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
ويستند هذا التحول إلى معطيات متزايدة تفيد بأن الجزائر باتت تركز جهودها على تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني داخل دول الساحل، في وقت يواصل فيه المغرب توسيع نفوذه الإقليمي عبر مشاريع كبرى تستهدف ربط الدول غير الساحلية بالمحيط الأطلسي وتسهيل اندماجها في الاقتصاد العالمي.
وأوضح معهد الجغرافيا السياسية “هورايزون” (IGH) في تقرير حديث، أن التغيرات التي شهدها ملف الصحراء خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الدبلوماسي أو من خلال تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، دفعت الجزائر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية وتوجيه جزء أكبر من مواردها نحو ساحات جديدة تعتبرها أكثر تأثيراً في موازين القوة المستقبلية.
وفي قلب هذه التحولات تبرز المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، والرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية والموانئ المغربية، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي وميناء طنجة المتوسط، في مشروع يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي.
كما يمثل مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أحد أبرز رهانات المرحلة المقبلة، بالنظر إلى طموحه لربط احتياطيات الغاز النيجيرية بالأسواق الأوروبية عبر الساحل الأطلسي الإفريقي، ما يمنح المغرب موقعاً محورياً في خريطة الطاقة الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، كثفت الجزائر خلال السنوات الأخيرة تحركاتها داخل دول الساحل، عبر اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والأمن والبنيات التحتية، إلى جانب مبادرات تنموية واستثمارات موجهة لتعزيز روابطها مع عدد من العواصم الإفريقية، خصوصاً في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
كما توسعت المنافسة لتشمل مجالات التأثير الديني والثقافي والإعلامي، في ظل سعي مختلف الأطراف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمعات الإفريقية وبناء شبكات نفوذ طويلة الأمد قادرة على التأثير في التوجهات السياسية والاقتصادية للمنطقة.
ويبرز السنغال باعتباره إحدى أهم ساحات هذا التنافس المتصاعد، نظراً لموقعه الاستراتيجي على الساحل الأطلسي، وتطوره المتسارع في قطاع الطاقة، إضافة إلى دوره المحوري في التجارة الإقليمية وشبكات التأثير الديني بغرب إفريقيا.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذه التطورات تعكس انتقال التنافس الإقليمي من القضايا الحدودية التقليدية إلى رهانات أكثر ارتباطا بمستقبل الاقتصاد الإفريقي وسلاسل الإمداد والطاقة والبنية التحتية، حيث باتت الموانئ وخطوط النقل وأنابيب الغاز أدوات أساسية في رسم موازين النفوذ خلال العقود المقبلة.
وخلص التقرير، إلى أن منطقة الساحل وغرب إفريقيا مرشحة لتكون الساحة الرئيسية للتنافس الجيوسياسي بين الرباط والجزائر، في معركة تتجاوز الحسابات التقليدية نحو إعادة تشكيل مراكز الثقل الاقتصادي والاستراتيجي في القارة الإفريقية.


تعليقات الزوار ( 0 )