شهدت أسعار البيض خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا لافتًا أثار تساؤلات واسعة لدى المستهلكين والمهنيين على حد سواء، خاصة بعدما انتقل ثمن البيضة من مستويات مرتفعة إلى أسعار وُصفت بغير المسبوقة، حيث إن هذا التحول السريع أعاد النقاش حول توازن سوق الدواجن، وحدود العلاقة بين العرض والطلب، ومدى تأثير القرارات المرتبطة بالإنتاج على استقرار الأسعار داخل الأسواق الوطنية.
وفي مقابل ارتياح المستهلك لهذا الانخفاض، يعيش عدد من المنتجين وضعًا صعبًا بسبب الخسائر الناتجة عن وفرة الإنتاج وتراجع الاستهلاك بعد شهر رمضان، في وقت يواصل فيه قطاع الدواجن لعب دور أساسي في الأمن الغذائي الوطني، وكما يطرح هذا الوضع إشكالات أخرى مرتبطة بالتسويق، والمراقبة الصحية، وطرق عرض وبيع الدواجن، إلى جانب الحاجة إلى مزيد من التنظيم لحماية المستهلك وضمان استدامة استثمارات المهنيين.
❖ وفرة الإنتاج
يبرز عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، أن الانخفاض الكبير الذي تعرفه أسعار البيض لا يرتبط بالإشاعات المتداولة أو ببعض الأحداث التي تم ربطها بالموضوع، وإنما يعود أساسًا إلى ارتفاع حجم الإنتاج مقارنة مع حجم الاستهلاك الحقيقي بعد شهر رمضان.
وأوضح البوتشيشي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن وزارة الفلاحة عقدت قبل حلول رمضان، لقاءات مع مهنيي قطاع إنتاج بيض الاستهلاك، وحثتهم على رفع وتيرة الإنتاج حتى لا تعرف الأسواق أي ارتفاع حاد في الأسعار خلال الشهر الفضيل، بالنظر إلى الإقبال الكبير الذي يسجله المغاربة على استهلاك البيض في تلك الفترة.
وأضاف أن المنتجين استجابوا فعلاً لهذه التوجيهات، فتم رفع الإنتاج بشكل ملحوظ، غير أن الطلب تراجع مباشرة بعد انتهاء رمضان، ما أدى إلى بقاء كميات كبيرة من البيض داخل السوق الوطنية، لتصبح قاعدة العرض أكبر بكثير من الطلب، وهو ما تسبب في انهيار الأسعار بشكل واضح.
وأشار إلى أن المغرب يتوفر حالياًا على حوالي 264 ضيعة متخصصة في إنتاج البيض، تنتج ما يقارب 26 مليون بيضة يوميًا؛ أي ما يناهز 7 مليارات بيضة سنويًا، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس قوة القطاع وقدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي الوطني من هذه المادة الأساسية.
❖ خسائر المنتجين
يلفت البوتشيشي إلى أن انخفاض الأسعار قد يبدو إيجابيًا بالنسبة للمستهلك، غير أنه في المقابل يشكل عبئًا حقيقيًا على المنتجين الذين أصبحوا “يبيعون البيض بالخسارة”، بالنظر إلى تكاليف الإنتاج المرتفعة وحجم الاستثمار الذي يتطلبه هذا القطاع.
وأوضح أن استمرار بيع البيض بأقل من كلفته الحقيقية يهدد توازن عدد من الضيعات؛ خاصة مع ضخامة حجم الإنتاج اليومي الذي يصل إلى 26 مليون بيضة، ما يعني أن الخسائر المالية اليومية تبقى مرتفعة بالنسبة للمهنيين.
وأكد البوتشيشي أن معدل استهلاك الفرد المغربي من البيض يبلغ حوالي 191 بيضة سنويًا، وهو معدل اعتبره “لا بأس به”، بل يفوق معدلات بعض الدول، غير أنه يظل أقل من دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي يتجاوز فيها معدل الاستهلاك 300 بيضة للفرد سنويًا.
وشدد على أن رفع استهلاك البيض يبقى مهمًا من الناحية الغذائية، باعتباره مصدرًا أساسيًا للبروتين الحيواني؛ خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود، مضيفًا أن وفرة الإنتاج الحالية لا تعني وجود أزمة صحية أو اختلال خطير، بل ترتبط فقط بوجود فائض في العرض مقارنة مع الطلب.
❖ مراقبة صحية
في حديثه عن جودة البيض المعروض في الأسواق، أوضح البوتشيشي أن الضيعات المرخصة بالمغرب تخضع لمراقبة المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، حيث يتم تتبع الدجاج البياض منذ مراحله الأولى إلى غاية وصول البيض إلى المستهلك.
وأشار إلى أن هذه الضيعات تعتمد برامج صحية ومراقبة بيطرية دقيقة، غير أن الإشكال المطروح يتعلق بكون البيض مادة قابلة للتلف؛ خصوصًا خلال فترات الحرارة المرتفعة، إذا لم يتم حفظه في ظروف ملائمة.
ودعا البوتشيشي إلى ضرورة اعتماد تاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية على البيض، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول، معتبرًا أن هذه الخطوة ستساهم في تعزيز ثقة المستهلك والحد من الإشاعات التي تؤثر بشكل كبير على قطاع الدواجن.
وأكد على أن انتشار الأخبار غير الدقيقة حول فساد البيض أو تخزينه لفترات طويلة يضر بالمنتجين وبالسوق الوطنية، لذلك فإن وضع بيانات واضحة على المنتوج سيمكن المستهلك من اقتناء البيض وهو مطمئن على جودته وسلامته الصحية.
❖ فوضى التسويق
بخصوص قطاع الدجاج الأبيض، أوضح البوتشيشي أن أثمنة الخروج من الضيعات تتراوح حاليًا ما بين 12.5 و14 درهمًا للكيلوغرام، وهي مستويات اعتبرها مناسبة نسبيًا، غير أن المشكل الحقيقي يكمن في منظومة التسويق.
وأكد أن قطاع الدواجن بالمغرب يتوفر على تجهيزات وبنيات تحتية متطورة بمواصفات عالمية، غير أن استمرار الاعتماد على الوسطاء والسماسرة يخلق اختلالات واضحة بين ثمن البيع في الضيعات والثمن الذي يصل به المنتوج إلى المستهلك.
وأشار إلى أن بعض محلات بيع الدجاج أصبحت تعرض دجاجًا مذبوحًا مسبقًا دون معرفة ظروف ذبحه أو مصدره أو مدى خضوعه للمراقبة الصحية، محذرًا من اقتناء هذا النوع من المنتجات العشوائية.
ودعا المستهلكين إلى اقتناء الدجاج المراقب من طرف المصالح البيطرية والمجازر المعتمدة، حفاظًا على السلامة الصحية للأسر، مؤكدًا على أن بعض أنواع الدجاج المعروضة قد تكون غير خاضعة لأي مراقبة، أو تم التعامل معها في ظروف غير صحية.
❖ إصلاح القطاع
يشير البوتشيشي إلى أن برامج إعادة هيكلة “الرياشات” لم تحقق النتائج المطلوبة بالشكل الكافي، بسبب ضعف الالتزام بشروط النظافة والمعايير الصحية الضرورية داخل عدد من هذه الفضاءات.
وأوضح أن تطوير هذا القطاع يقتضي اعتماد تجهيزات حديثة وسلاسل متكاملة للذبح والتنظيف والتوضيب، بما يضمن سلامة المنتوج ويحافظ على جودة الدجاج الموجه للاستهلاك.
وشدد على أن قطاع تربية الدواجن يشكل أحد أهم القطاعات الاقتصادية بالمغرب، بالنظر إلى حجم معاملاته وعدد فرص الشغل التي يوفرها بالعالمين القروي والحضري، ما يستوجب مواصلة تنظيمه وتأهيله بشكل أكبر.
وأكد على أن الهدف الأساسي يبقى هو ضمان توازن السوق، وحماية المنتج والمستهلك في الوقت نفسه، حتى يتمكن المواطن المغربي من اقتناء منتجات ذات جودة عالية وبأسعار مناسبة، في إطار منظومة غذائية آمنة ومنظمة.


تعليقات الزوار ( 0 )