ليس كل وقف لإطلاق النار بداية للسلام، كما أن توقف المعارك لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديدا تبدو الهدنة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والاتفاق بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، أقرب إلى محطة لإعادة ترتيب موازين القوى منها إلى نهاية فعلية للصراع، والسبب كما يمكن أن يستنتج أي مواكب لتاريخ الصراع أن المنطقة لا تعيش أزمة عسكرية عابرة يمكن احتواؤها باتفاق مؤقت، وإنما تواجه أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي نفسه، وبالصراع على من يمتلك حق رسم توازناته وقيادة مستقبله.
من هنا، يبدو اختزال الأزمة في البرنامج النووي الإيراني قراءة غير كافية لفهم ما يجري، لأن الملف النووي ليس سوى أحد تجليات أزمة أعمق تتعلق بالنفوذ والردع والشرعية الإقليمية، وإعادة توزيع القوة في الشرق الأوسط وحسب، وحتى لو نجحت المفاوضات ذات يوم في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تخصيب اليورانيوم أو رفع العقوبات، فإن ذلك لن يجيب عن الأسئلة الأكثر تعقيدا، ما هو الدور الذي تطمح إليه إيران؟ وما هي حدود النفوذ الذي تقبل به الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وهل يمكن التوفيق بين مشروعين متعارضين لإدارة الإقليم؟
وهنا ينبغي التذكير بأنه منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الخميني، لم تعرف العلاقة بين طهران وواشنطن سلاما حقيقيا ولا حربا شاملة، حيث لقد دخل الطرفان في نمط مستمر من الصراع منخفض وعالي الحدة، تنقل بين العقوبات الاقتصادية والاغتيالات والحروب بالوكالة والهجمات السيبرانية والضربات العسكرية المحدودة، يتخلله أحيانا تفاوض لا يلبث أن يعقبه تصعيد جديد.
وهذا المسار الممتد من المواجهة والصراع لأكثر من أربعة عقود يكشف أن الصراع لم يعد حدثا استثنائيا، بل أصبح جزء من آلية إدارة التوازنات في المنطقة.
السبب الأول الذي يجعل السلام هشا هو أن الخلاف لا يتعلق بملف محدد، وإنما بطبيعة النظام الإقليمي نفسه، فالولايات المتحدة من جهة أولى لا تزال تنظر إلى منطقة الشرق الأوسط باعتبارها فضاء استراتيجيا يرتبط مباشرة بأمنها العالمي، وتسعى إلى المحافظة على شبكة تحالفاتها التقليدية، وفي مقدمتها أمن إسرائيل.
ومن جهة ثانية فإن إيران فتعتبر نفسها قوة إقليمية لا ينبغي أن تخضع لهذا النظام، بل تمتلك حق المشاركة في صياغة توازنات جديدة تعكس التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة.
وعندما يكون الخلاف حول قواعد اللعبة نفسها، تصبح التسويات التقنية، مهما بلغت أهميتها، عاجزة عن إنهاء الصراع.
ويزداد المشهد تعقيدا بسبب طبيعة المشروع الإيراني ذاته، لأن الجمهورية الإسلامية لم تقدم نفسها منذ تأسيسها، باعتبارها مجرد دولة تسعى إلى حماية حدودها ومصالحها، وإنما باعتبارها مشروعا سياسيا يحمل رؤية تتجاوز المجال الوطني، وقد تختلف الحكومات الإيرانية في أدواتها وخطابها، لكن الثابت هو استمرار السعي إلى تثبيت مكانة إيران لاعبا رئيسيا في معادلات الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن العقوبات أو الضغوط العسكرية قد تعدل السلوك التكتيكي، لكنها لا تغير بسهولة التصورات الاستراتيجية التي تشكلت عبر عقود.
لكن، وهطا هو الأهم، أن العنصر الذي يظل حاسما في معادلة الصراع يبقى، في نظر كثير من المراقبين، هو الموقف الإسرائيلي من السلام أصلا مع جيرانها في المنطقة وأولهم إيران، إن المسألة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق فقط بمنع إيران من امتلاك قدرات نووية، وإنما بمنعها من التحول إلى قوة إقليمية قادرة على تغيير ميزان القوى، ولذا تنظر إسرائيل إلى أي اتفاق يسمح لطهران بالحفاظ على نفوذها أو استعادة قدراتها الاقتصادية والعسكرية باعتباره اتفاقا لا يزيل الخطر، بل يؤجله.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما ذات التوجه اليميني المتطرف أقل اهتماما بتسوية تاريخية تعيد دمج إيران في النظام الإقليمي، وأكثر ميلا إلى استراتيجية تقوم على إضعاف مصادر القوة الإيرانية، وتقليص نفوذها، والحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي باعتباره الضامن الأول للأمن القومي.
ووفق هذه المقاربة، فإن السلام لا يُقاس بإنهاء الصراع، بل بمدى قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بتفوقها الاستراتيجي ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة أنى كانت بما فيها الدول التي تقيم معها علاقات واتفاقيات سلام مثل مصر وتركيا.
لقد أظهرت الحرب الأخيرة أن أدوات الردع لم تعد تقتصر على القدرات العسكرية التقليدية أو البرنامج النووي، بل الجغرافيا قد أعادت فرض نفسها باعتبارها أحد أهم عناصر القوة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية تجعل أي تصعيد عسكري ذا تكلفة اقتصادية عالمية.
كما أن امتداد شبكة الحلفاء الإقليميين يمنح طهران القدرة على توسيع ساحات المواجهة، وهو ما يجعل أي صراع معها يتجاوز حدودها الجغرافية.
ومن هنا يمكن فهم الحراك الدبلوماسي المتسارع في لبنان والخليج… هذه التحركات لا تستهدف فقط تثبيت وقف إطلاق النار، وإنما إعادة رسم البيئة الأمنية التي ستُدار داخلها المنافسة المقبلة، وبعبارة أخرى، فإن المفاوضات الجارية اليوم لا تتعلق فقط بإنهاء القتال، بل أيضا بإعادة توزيع أوراق القوة وتحسين المواقع الاستراتيجية لكل طرف.
ويتعقد المشهد أكثر مع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى. فملفات الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والتنافس الدولي، أصبحت جميعها جزء من معادلة واحدة، بحيث لم يعد ممكنا عزل أي أزمة إقليمية عن سياقها العالمي.
وهذا ما يفسر حرص القوى الدولية على منع الانزلاق إلى حرب شاملة، من دون أن يعني ذلك امتلاكها رؤية مشتركة لإنهاء أسباب الصراع.
لهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا لا يبدو سلاما دائما، كما لا يبدو حربا مفتوحة بلا حدود، وإنما استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” التي طبعت الشرق الأوسط طوال العقود الماضية، طبعا ستتبدل أدوات المواجهة، وقد تتغير الجبهات، وربما تظهر تحالفات جديدة، لكن التنافس على النفوذ، واختلاف التصورات حول مستقبل النظام الإقليمي، سيظلان المحركين الأساسيين للأحداث.
لذلك فإننا نرى أن وقف إطلاق النار سيظل محطة في مسار صراع طويل، وليس نهايته، السؤال الحقيقي الذي يشغل صناع القرار اليوم لم يعد: هل انتهت الحرب؟ بل: هل نجح الشرق الأوسط في بناء نظام إقليمي جديد يمنع عودتها؟
وإلى حدود الآن تبدو الإجابة أبعد ما تكون عن اليقين… ودون ذلك خرط القتاد.





تعليقات الزوار ( 0 )