لقد شكل سؤال النهضة والتأخر أحد المحاور المركزية في المشروع الفكري لعبد الله العروي، الذي لم يتعامل مع واقع العالم العربي بوصفه نتيجة ظرفية أو حادثًا تاريخيًا عابرًا، بل باعتباره تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة ترتبط بعلاقة العرب بالتاريخ والحداثة. فالعروي يرفض التفسيرات التبسيطية التي تُرجع كل أسباب التخلف إلى الاستعمار أو المؤامرات الخارجية، كما يرفض في المقابل الخطابات التي تمجد الماضي وتبحث في التراث عن حلول جاهزة لمشكلات الحاضر. وفي نظره، فإن العالم العربي يعيش ما يسميه “التأخر التاريخي“، أي إنه لم يواكب التحولات الكبرى التي غيرت وجه العالم منذ القرن السادس عشر، بدءًا بعصر النهضة الأوروبية، مرورًا بالإصلاح الديني والثورة العلمية والثورة الصناعية، وصولًا إلى تشكل الدولة الحديثة والرأسمالية. ونتيجة لذلك، وجد العرب أنفسهم أمام حضارة حديثة لم يشاركوا في إنتاجها، بل استقبلوها من الخارج بعد أن أصبحت أمرًا واقعًا، وهو ما جعل علاقتهم بها علاقة ارتباك وتردد، تتأرجح بين الإعجاب بمنجزاتها ورفض أسسها الفكرية والسياسية.
وينطلق العروي من فكرة أساسية مفادها أن الحداثة ليست مجرد تقدم تقني أو اقتصادي، بل هي قبل كل شيء تحول في طريقة التفكير وفي تنظيم المجتمع والدولة. ولذلك فإن امتلاك التكنولوجيا أو استيراد المعدات الصناعية أو تشييد البنيات التحتية لا يعني بالضرورة الدخول في عصر الحداثة، ما لم يصاحب ذلك تحول جذري في الثقافة السياسية والاجتماعية. فالحداثة، كما يفهمها العروي، تقوم على العقلانية، وسيادة القانون، والمواطنة، وحرية الفرد، واستقلال المؤسسات، والاقتصاد المنتج، وهي منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها أو اختيار بعضها ورفض البعض الآخر. ولهذا ينتقد العروي محاولات التحديث التي عرفتها عدة دول عربية بعد الاستقلال، لأنها اقتصرت في كثير من الأحيان على تحديث الإدارة أو الجيش أو البنية التحتية، بينما بقيت البنيات الفكرية والسياسية التقليدية على حالها، الأمر الذي أدى إلى إنتاج دول تمتلك مظاهر الحداثة دون أن تمتلك روحها.
ويعتبر العروي أن أخطر مظاهر الأزمة العربية هو غياب الوعي التاريخي. فالكثير من النخب العربية، في نظره، ما زالت تتعامل مع التاريخ بمنطق الحنين إلى الماضي، وتعتقد أن استعادة أمجاد الحضارة الإسلامية كفيل بحل أزمات الحاضر. غير أن التاريخ، كما يؤكد، ليس دائرة مغلقة يعود فيها الماضي كما كان، بل هو حركة مستمرة لا تتوقف، ومن يتخلف عن مواكبتها يجد نفسه خارج مسارها. لذلك فإن المجتمعات العربية، بدل أن تطرح سؤال: كيف نبني المستقبل؟، انشغلت طويلًا بسؤال: كيف نستعيد الماضي؟، وهو ما أدى إلى هيمنة الفكر السلفي بمختلف أشكاله، سواء كان دينيًا أو قوميًا أو حتى اشتراكيًا، حيث ظلت معظم الإيديولوجيات العربية أسيرة نماذج جاهزة أكثر من اهتمامها بفهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم. ومن هنا يؤكد العروي أن النهضة لا تتحقق بإحياء التراث، وإنما بفهم شروط العصر الذي نعيش فيه والانخراط الكامل في منطقه التاريخي.
وفي تحليله لمفهوم الدولة، يرى العروي أن العالم العربي لم ينجح في بناء الدولة الحديثة بالمفهوم الذي عرفته أوروبا بعد الثورات السياسية الكبرى. فالدولة الحديثة ليست مجرد سلطة تمارس الحكم، بل هي مؤسسة قانونية تحتكر ممارسة السلطة وفق قواعد دستورية واضحة، وتضمن المساواة بين المواطنين، وتفصل بين السلطات، وتحمي الحقوق والحريات. أما في كثير من التجارب العربية، فقد بقيت الدولة امتدادًا للبنيات التقليدية القائمة على العصبية أو الزبونية أو الشخصنة، مما جعل المؤسسات ضعيفة أمام نفوذ الأفراد، وأدى إلى غياب الاستقرار المؤسسي، وضعف الثقة، وتراجع الاستثمار والإبداع. ويؤكد العروي أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق في غياب دولة قوية بمؤسساتها لا بأشخاصها، لأن المستثمر والباحث والمبدع يحتاجون إلى بيئة قانونية مستقرة أكثر من حاجتهم إلى الشعارات السياسية.
ولا ينكر العروي أن الاستعمار كان عاملًا مهمًا في تعميق التخلف العربي، لكنه يرفض تحويله إلى تفسير شامل لكل مظاهر الأزمة. فالاستعمار، في نظره، ساهم في إضعاف البنيات الاقتصادية والسياسية وفرض تبعية طويلة الأمد، لكنه لا يفسر استمرار مظاهر التخلف بعد عقود من الاستقلال. ويستشهد ضمنيًا بتجارب دول آسيوية عديدة استطاعت، رغم الاحتلال أو الهيمنة الأجنبية، أن تبني مؤسسات قوية وأن تستثمر في التعليم والصناعة والبحث العلمي، لتتحول في غضون عقود قليلة إلى قوى اقتصادية عالمية. ولذلك فإن المسؤولية، في نهاية المطاف، تقع أيضًا على النخب السياسية والفكرية العربية التي أخفقت في بناء مشروع تاريخي واضح، واكتفت في كثير من الأحيان بإدارة الأزمات بدل إنتاج حلول استراتيجية بعيدة المدى.
إن الإجابة التي يقدمها عبد الله العروي عن سؤال «لماذا خسر العرب سباق الحضارة؟» ليست إجابة أخلاقية أو عاطفية، بل هي إجابة تاريخية وفلسفية. فالعرب، في نظره، لم يخسروا لأنهم أقل ذكاءً أو لأن ثقافتهم عاجزة بطبيعتها عن إنتاج التقدم، وإنما لأنهم تأخروا في استيعاب منطق الحداثة، وترددوا طويلًا بين الماضي والمستقبل، وبين التراث والعصر، دون أن يحسموا اختيارهم التاريخي. ومن هنا فإن تجاوز هذا التأخر لا يكون بإحياء نماذج الماضي أو بالاكتفاء باستهلاك منجزات الآخرين، بل بالانخراط الكامل في مشروع الحداثة من خلال إصلاح التعليم، وترسيخ العقل النقدي، وبناء دولة المؤسسات، وتشجيع البحث العلمي، وربط الاقتصاد بالإنتاج والابتكار. فالتاريخ، كما يذكرنا العروي، لا ينتظر المترددين، والحضارة لا تُمنح للأمم، وإنما تبنيها الشعوب التي تمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية للانخراط في زمنها، بدل أن تبقى أسيرة أمجاد زمن مضى.





تعليقات الزوار ( 0 )