حذر خبراء وباحثون مختصون في الشؤون الإسرائيلية وقضايا القدس من أن المدينة المقدسة تواجه، منذ احتلالها عام 1967، سياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير تركيبتها الديمغرافية وطمس هويتها العربية الفلسطينية، عبر تعزيز الوجود الاستيطاني مقابل تقليص الحضور السكاني الفلسطيني.
وأوضح الباحثون أن هذه السياسات لا تقتصر على قرارات استثنائية أو إجراءات ظرفية، بل تقوم على منظومة متكاملة تشمل هدم المنازل، وفرض قيود صارمة على البناء الفلسطيني، وحرمان المقدسيين من التراخيص، إلى جانب ممارسات يومية تمييزية تمس مختلف تفاصيل الحياة، في إطار سعي تدريجي لإفراغ المدينة من سكانها الأصليين.
ورغم حدة هذه الضغوط، يؤكد المختصون أن الهوية الفلسطينية للقدس ما تزال متجذرة في أهلها وثقافتها ومقدساتها، وأن محاولات التهويد لم تنجح في اقتلاع البعد العربي التاريخي للمدينة.
سياسة تهويد ممنهجة
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ حل النزاعات وخبير الشؤون الإسرائيلية علي الأعور أن ما تتعرض له القدس منذ عام 1967 هو تنفيذ متواصل لسياسة تهويد تستهدف تقليص نسبة الفلسطينيين إلى أقل من 30 في المائة من مجموع سكان المدينة. وأشار إلى أن هذه السياسات غالبًا ما تُغيّب عن التغطية الإعلامية، رغم آثارها العميقة على الأرض.
وأوضح الأعور أن سلطات الاحتلال تعتمد قوانين تخطيط وبناء شديدة الصرامة تحول دون حصول المقدسيين على تراخيص لبناء منازلهم، ما أدى إلى إعاقة النمو الطبيعي للسكان العرب، ودفع أعداد كبيرة منهم، بما في ذلك أجيال كاملة، إلى مغادرة البلدة القديمة ومحيطها.
وأضاف أن الفلسطينيين حاولوا مواجهة أزمة السكن بالتوجه إلى مناطق مثل كفر عقب ومخيم شعفاط والزعيم، غير أن الاحتلال سمح بالبناء غير المنظم دون توفير بنية تحتية أو خدمات أساسية، ما أفرز تجمعات سكنية هشة يعيش فيها نحو 150 ألف مقدسي، في إطار ما وصفه بسياسة مدروسة تهدف إلى فصلهم فعليًا عن المدينة.
وتوقف الأعور عند نموذج حي سلوان، الذي يشهد عمليات هدم واستيلاء متواصلة على المنازل الفلسطينية بذريعة مشاريع دينية وتوراتية، وإقامة بؤر استيطانية، في استهداف مباشر للسكان المرابطين قرب المسجد الأقصى.
كما أشار إلى ممارسات يومية تمييزية، من بينها تشديد المخالفات والغرامات على المقدسيين، مقابل غض الطرف عن مخالفات مماثلة في مناطق أخرى، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس واقع الفصل العنصري وتشجع على تكريس التهويد الزماني والمكاني للقدس ومقدساتها.
حرب ديمغرافية صامتة
من جانبه، أكد الباحث في شؤون القدس علي إبراهيم أن هدم المنازل في القدس لا يمكن فصله عن سياق أوسع من “الحرب الديمغرافية” التي تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، باعتباره العقبة الأساسية أمام مشاريع السيطرة الكاملة على المدينة.
وأوضح أن سلطات الاحتلال تخصص نسبة ضئيلة من مساحة القدس للبناء الفلسطيني، لا تتجاوز 7 في المائة، ورغم ذلك ترفض الغالبية الساحقة من طلبات الترخيص، وتفرض رسوما باهظة تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، ما يدفع السكان قسرا إلى البناء دون ترخيص.
وأضاف أن الاحتلال يستغل ذلك لتبرير هدم المنازل، سواء عبر ما يسمى “الهدم الإداري”، أو من خلال سياسة “الهدم الذاتي”، حيث يُجبر المقدسي على هدم منزله بيده لتفادي الغرامات والتكاليف الباهظة، في واحدة من أقسى أشكال الضغط النفسي والاجتماعي.
وأشار إبراهيم إلى أن هذه السياسات كبّدت المقدسيين خسائر اقتصادية ضخمة، غير أن آثارها الأشد تتمثل في تفكيك الاستقرار الأسري، ونشر الخوف الدائم من الهدم، وتحويل الحياة اليومية إلى حالة ترقّب مستمر، بما يخدم هدف الهجرة القسرية الصامتة.
واقع ميداني متصاعد
وتتجلى هذه السياسات ميدانيًا في عمليات الهدم المتواصلة، حيث نفذت قوات الاحتلال مؤخرا عملية هدم استهدفت عمارة سكنية تضم 13 شقة في حي وادي قدوم شرق القدس، يقطنها نحو مئة فلسطيني، بذريعة البناء غير المرخص.
ويأتي ذلك في سياق تصعيد أوسع تشهده القدس والضفة الغربية، بالتزامن مع تزايد اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين على السكان وممتلكاتهم، في ظل ما يصفه الباحثون بمحاولة حسم المعركة الديمغرافية على حساب الوجود الفلسطيني.
ويجمع الخبراء على أن ما تتعرض له القدس اليوم ليس مجرد صراع عمراني أو قانوني، بل معركة وجود وهوية، تُستخدم فيها أدوات التخطيط والهدم والقوانين كوسائل لإعادة تشكيل المدينة، في مواجهة شعب ما زال يتمسك بأرضه وتاريخه ومقدساته رغم كل محاولات الإقصاء.


تعليقات الزوار ( 0 )