تشير منصة “ميغا بريس” (Migrapress) الرقمية، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، في مذكرة تحليلية تحت عنوان “الوفيات المرتبطة بالهجرة في العالم سنة 2025: تشريح لفشل ممنهج”؛ إلى أن سنة 2025 لم تمثل نقطة تحول إيجابية في ملف الهجرة، بقدر ما عكست استمرار أزمة إنسانية مركبة تتوارى خلف الأرقام.
ولفتت المنصة إلى أنه رغم تسجيل انخفاض نسبي في عدد الوفيات مقارنة بسنة 2024، فإن هذا التراجع لا يقرأ، وفق التحليل، باعتباره تحسنًا فعليًا، بل مؤشرا على خلل أعمق في منظومة الحماية الدولية.
ويستند هذا التقييم إلى معطيات المنظمة الدولية للهجرة، التي أكدت أن استمرار هذه الأرقام يعكس فشلاً عالميًا في الحد من الوفيات التي يمكن تفاديها، فالمأساة لم تعد مجرد أرقام، بل أصبحت مؤشرًا على أزمة ثقة في السياسات والهياكل الدولية.
وفي هذا السياق، تسعى هذه إلى تجاوز القراءة الكمية للأرقام، من خلال تفكيك العوامل البنيوية والسياسية التي تساهم في إنتاج هذه المأساة، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية التي غالبًا ما يتم تهميشها في النقاش العام.
❖ أرقام مضللة
تشير البيانات إلى تسجيل حوالي 8000 حالة وفاة أو اختفاء في صفوف المهاجرين خلال سنة 2025، وهو رقم يبدو أقل من الرقم القياسي لسنة 2024، وغير أن هذا الانخفاض لا يعكس بالضرورة تحسنًا في الواقع، بل يرتبط بعوامل تتعلق بتراجع قدرات الرصد والتوثيق الميداني.
ويؤكد التقرير السنوي لمشروع مشروع المهاجرون المفقودون أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط، في ظل وجود حالات كثيرة غير موثقة، سواء بسبب غياب الشهود أو ضعف البنية التحتية للرصد، خاصة في المناطق النائية أو الخطرة.
كما أن استمرار تسجيل وفيات جديدة منذ بداية سنة 2026 يعزز فرضية أن الظاهرة لم تعرف أي تراجع حقيقي، بل إن ما يحدث هو نوع من “إخفاء رقمي” للمأساة، حيث تقل الأرقام الرسمية دون أن يتغير الواقع الميداني.
❖ مسارات خطرة
تبرز الجغرافيا العالمية للهجرة أن المخاطر لم تتراجع، بل أعادت تشكيل نفسها في مسارات أكثر تعقيدًا وخطورة، ففي منطقة المتوسط الأوسط، التي لا تزال تسجل أعلى عدد من الوفيات، تتداخل عوامل عدة، من بينها السياسات الأوروبية التي تركز على الردع بدل الحماية.
وهذه السياسات، التي تشمل تجريم عمليات الإنقاذ في البحر، تدفع المهاجرين إلى الاعتماد على وسائل أكثر هشاشة، ما يزيد من احتمالات الغرق أو الاختفاء، ويجعل من البحر فضاءً مفتوحًا للموت غير المرئي.
وأما الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري، فقد تحول إلى أحد أخطر المسارات، نتيجة ما يسمى بـ”أثر الإزاحة”، حيث يؤدي تشديد الرقابة في مسارات معينة إلى تحويل تدفقات الهجرة نحو طرق أطول وأكثر خطورة، دون توفير بدائل آمنة.
❖ سياسات فاشلة
تؤكد المذكرة أن السياسات المعتمدة دوليًا في مجال الهجرة تعاني من اختلالات بنيوية؛ أبرزها التركيز على المقاربة الأمنية على حساب البعد الإنساني، فبدل معالجة أسباب الهجرة، يتم الاكتفاء بإغلاق الحدود وتشديد المراقبة.
هذا التوجه لا يؤدي إلى تقليص الظاهرة، بل إلى إعادة إنتاجها في أشكال أكثر خطورة، حيث يجد المهاجرون أنفسهم مضطرين للمخاطرة بحياتهم في غياب قنوات قانونية وآمنة للهجرة.
كما أن تقليص التمويل الموجه للبرامج الإنسانية، خاصة تلك المتعلقة بالرصد والتوثيق، يساهم في إضعاف القدرة على فهم الظاهرة، ويحد من إمكانية محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
❖ جذور معقدة
ترتبط الهجرة غير النظامية بعوامل متعددة ومتشابكة، تشمل النزاعات المسلحة والفقر والتغير المناخي، وانعدام الفرص الاقتصادية، وهذه العوامل لا يمكن فصلها عن السياق العالمي الذي يشهد تزايدًا في عدم الاستقرار.
وغير أن الإشكال لا يكمن فقط في هذه العوامل، بل في غياب استجابة دولية منسجمة، قادرة على التعامل مع الهجرة كظاهرة هيكلية، وليس كأزمة ظرفية يمكن احتواؤها بإجراءات أمنية.
وفي هذا الإطار، تبرز محدودية النظام القانوني الدولي، الذي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات الجارية، ما يخلق فراغًا تستغله شبكات التهريب، التي تُعد نتيجة مباشرة لهذا الخلل، وليس سببًا قائمًا بذاته.
❖ أسر منسية
تخلف هذه المأساة آثارًا عميقة لا تقتصر على الضحايا، بل تمتد إلى أسرهم، التي تعيش حالة من الغموض والانتظار. فاختفاء أحد أفراد الأسرة دون تأكيد وفاته يخلق وضعية نفسية وقانونية معقدة.
ويقدر عدد الأسر المتضررة بأكثر من 340 ألف أسرة، تعيش ما يعرف بـ”الحزن المعلق”، حيث لا يمكنها الحداد ولا المطالبة بحقوقها القانونية، في ظل غياب الاعتراف الرسمي بالوفاة.
وهذا الجانب الإنساني يظل مهمشًا في السياسات العامة، رغم كونه يعكس عمق المأساة، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية الدول في حماية ليس فقط المهاجرين، بل أيضًا أسرهم.
❖ دور المنظمة
تلعب المنظمة الدولية للهجرة دورًا محوريًا في توثيق هذه الظاهرة، من خلال مشاريع مثل “المهاجرون المفقودون”، التي توفر قاعدة بيانات مهمة للباحثين وصناع القرار.
وغير أن هذا الدور يظل محدودًا بسبب طبيعة المنظمة كهيئة حكومية دولية، ما يجعلها ملزمة أحيانًا بخطاب دبلوماسي يتجنب تحميل المسؤوليات بشكل صريح.
ورغم هذه القيود، تبقى مساهمتها أساسية في إبقاء هذه القضية ضمن الأجندة الدولية، خاصة في ظل تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بملف الهجرة.
وتشير المذكرة إلى أن ما يوصف بتراجع في أرقام الوفيات لا يعكس تحسنًا حقيقيًا، بل يخفي فشلاً مستمرًا في حماية الأرواح، فالمشكلة ليست في الأرقام، بل في السياسات التي تنتجها.
كما تؤكد أن التعامل مع الهجرة كتهديد أمني يساهم في تعميق الأزمة، بدل حلها، ويؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من المخاطر على المهاجرين.



تعليقات الزوار ( 0 )