تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة تحولات عسكرية لافتة، مع بروز بنية تحتية دفاعية جديدة تعكس توجهاً استراتيجياً لتعزيز السيطرة الجوية والأمنية في الصحراء.
ويأتي ذلك في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، ما يدفع الرباط إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية وفق مقاربة استباقية تعتمد على التكنولوجيا والانتشار العسكري الذكي.
ووفق تقرير نشره موقع “ديفنسيا” المتخصص في الشؤون العسكرية، الإسباني، فإن قاعدة “بير أنزران” الجوية، الواقعة شرق مدينة الداخلة، أصبحت محورا جديدا في هذه الاستراتيجية، بعدما تحولت من مهبط مروحيات إلى قاعدة جوية متكاملة قادرة على دعم عمليات عسكرية متقدمة، بما في ذلك تشغيل الطائرات بدون طيار ومروحيات هجومية من طراز “أباتشي”.
وتقع القاعدة على بعد نحو 140 كيلومترا شرق الداخلة، وتمتد على مساحة تقدّر بخمسة كيلومترات مربعة، وتضم مدرجا جويا يزيد طوله عن ثلاثة كيلومترات، ما يسمح باستقبال طائرات ثقيلة ومتطورة. كما تشمل برج مراقبة حديث، وحظائر للصيانة، ومنشآت لوجستية وإدارية مهيأة لاحتضان عناصر عسكرية لفترات طويلة.
ويعكس هذا التطوير، بحسب المعطيات المتوفرة، توجها نحو تمكين القوات المسلحة الملكية من تنفيذ عمليات مراقبة وضربات دقيقة في مناطق كانت سابقاً خارج التغطية المباشرة، خصوصا في الجنوب الشرقي وعلى طول الحدود مع موريتانيا.
وتكتسي الطائرات بدون طيار دورا محوريا في هذه القاعدة، حيث تتيح مراقبة مستمرة لحزام الدفاع الأمني، المعروف بـ”الجدار الرملي”، بمدى عملياتي قد يصل إلى 300 كيلومتر.

ويعزز هذا الانتشار قدرة المغرب على رصد التحركات المعادية والتدخل السريع دون الحاجة إلى أنظمة تحكم معقدة عبر الأقمار الصناعية.
ويأتي هذا التطور ضمن منظومة أوسع تشمل عدة قواعد جوية، من بينها العيون والسمارة وبنجرير ومكناس، حيث تنتشر أنواع مختلفة من الطائرات المسيرة مثل “هيرون” و”بيرقدار” و”وينغ لونغ”، ضمن نظام متكامل للاستطلاع والمراقبة والضربات الدقيقة.
ويتزامن تعزيز هذه القاعدة مع تصاعد التوترات الميدانية في المنطقة، خاصة بعد استئناف الأعمال العدائية منذ نهاية 2020. وقد شهدت مدينة السمارة، في يونيو 2025، سقوط صواريخ قرب مواقع تابعة لبعثة الأمم المتحدة، في حادثة تبناها “البوليساريو”، دون تسجيل خسائر بشرية.
وردت القوات المغربية، وفق نفس المعطيات، بعملية دقيقة عبر طائرة مسيرة استهدفت مصدر الهجوم، ما يعكس تطورا في قدرات الاستجابة السريعة والدقيقة، وهو ما تعززه الآن قاعدة بير أنزران.
وعلى المستوى القانوني، لا توجد نصوص دولية صريحة تمنع المغرب من إقامة منشآت عسكرية في المناطق الواقعة تحت إدارته الفعلية، باستثناء المنطقة العازلة المحددة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991.
ومع إعلان جبهة البوليساريو إنهاء التزامها بالاتفاق في 2020، باتت الرباط تعتمد مقاربة أمنية أكثر مرونة تستجيب للمتغيرات الميدانية.
كما أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في 2020 منح دفعة قوية لهذه الدينامية، وفتح المجال أمام شراكات عسكرية وتقنية أوسع، خاصة في إطار مكافحة الإرهاب.
ولا تقتصر أهمية القاعدة على بعدها المحلي، بل تتجاوز ذلك إلى دور محتمل في مراقبة ومواجهة التهديدات القادمة من منطقة الساحل، التي تشهد تنامي نشاط الجماعات المتطرفة.
وتشير تقارير إلى إمكانية توظيف هذه القاعدة مستقبلا ضمن تنسيق أمني مع شركاء دوليين، من بينهم الولايات المتحدة وفرنسا، في إطار عمليات استطلاع وضربات دقيقة.
ورغم غياب تأكيد رسمي لهذه الفرضيات، فإن المؤشرات الحالية تعكس توجها واضحا نحو تعزيز الحضور العسكري المغربي في العمق الإفريقي، بما ينسجم مع رؤية أمنية تعتبر أن التهديدات لم تعد بعيدة جغرافياً، بل باتت تمس الأمن القومي بشكل مباشر.
وتمثل قاعدة بير أنزران تجسيدا لعقيدة عسكرية مغربية حديثة تقوم على الدمج بين التكنولوجيا والانتشار الجغرافي، وتحويل التحديات الطبيعية للصحراء إلى مزايا عملياتية. وهو تحول يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التحكم الأمني والاستباق الاستراتيجي.




تعليقات الزوار ( 0 )