من منظور سوسيولوجي نقدي ومن منظور علم السياسة، يمكن التعامل مع مصطلح “الفراقشية” ليس بوصفه مجرد لفظة متداولة في السجال السياسي، بل باعتباره مؤشراً رمزياً على نمط من الممارسات والعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تتجاوز دلالته الأصلية. فالسؤال الحقيقي ليس في المصطلح ذاته، وإنما في الشروط الاجتماعية والسياسية التي تسمح بتحويل بعض السلوكات الانتهازية إلى موضوع للنقاش العمومي، بل أحياناً إلى نموذج ضمني للنجاح والترقي.
أولاً: كيف جرى “تبييض” المصطلح ونقله من حقل الجريمة إلى حقل السياسة؟
في علم الاجتماع، تعرف هذه العملية بما يسميه بيير بورديو “إعادة إنتاج الشرعية الرمزية”. فالكثير من الممارسات التي كانت تُصنف تاريخياً باعتبارها انحرافاً أو خروجاً عن القيم الجماعية، يمكن أن تخضع لعملية إعادة تأويل تجعلها تبدو طبيعية أو مقبولة أو حتى ناجحة.
حين ينتقل الفاعل من موقع “الحاشية السفلى” إلى موقع النفوذ الاقتصادي أو السياسي، فإن الرأسمال الاقتصادي الذي راكمه قد يتحول إلى رأسمال رمزي يمنحه قدرة على إعادة تعريف نفسه وإعادة تعريف ماضيه. وهكذا يصبح السؤال أقل ارتباطاً بأصل الثروة أو طبيعة السلوك، وأكثر ارتباطاً بالقدرة على إنتاج خطاب يبرر الموقع الاجتماعي الجديد.
إن ما نشهده هنا ليس تبييضاً لمصطلح فقط، بل تبييضاً للشرعية نفسها.
ثانياً: ما هي الثغرات البنيوية التي سمحت بذلك؟
يقدم علم الاجتماع السياسي ثلاثة تفسيرات رئيسية:
1. ضعف الوسائط المؤسساتية
عندما تتراجع الأحزاب والنقابات والجمعيات باعتبارها مؤسسات للتأطير السياسي والتنشئة المدنية، يزداد حضور الشخصيات الفردية والشعبوية.
2. هيمنة منطق السوق على المجال العمومي.
الإعلام التجاري، والإعلام التافه القائم على نشرالفضائح لتسويق الرداءة، يبحث عن الإثارة أكثر مما يبحث عن بناء المعنى، فيتحول الجدل السياسي إلى فرجة.
3. أزمة الثقة في النخب التقليدية
عندما تفشل النخب التاريخية في الوفاء بوعودها، يصبح المجتمع أكثر قابلية لاستقبال نماذج بديلة مهما كانت هشاشتها الفكرية، ومهما كانت مرجعيتها.
ثالثاً: هل يمكن أن تشكل “الفراقشية” عقداً اجتماعياً جديداً؟
من منظور الفكر السياسي، الجواب هو لا.
فالعقد الاجتماعي، منذ هوبز ولوك وروسو وصولاً إلى جون رولز، يقوم على مبادئ عامة:
ـ المواطنة المتساوية.
ـ سيادة القانون.
ـ المصلحة العامة.
ـ العدالة في توزيع الحقوق والواجبات.
أما المنطق الذي يقوم على تبادل المنافع الخاصة والغنائم والولاءات الظرفية فلا ينتج عقداً اجتماعياً، بل ينتج ما يسميه ماكس فيبر “السلطة الزبونية”، وما يسميه علماء السياسة المعاصرون “الدولة الزبونية” أو “النيوباتريمونيالية”.
إنه ليس عقداً اجتماعياً، بل شبكة تبادل مصالح قصيرة المدى.
رابعاً: ما الآليات المعرفية والقانونية لمواجهة هذا المنطق؟
معرفياً:
ـ تعزيز التربية المدنية والسياسية.
ـ تطوير الثقافة النقدية داخل المدرسة والجامعة.
ـ دعم الإعلام المهني القائم على التحقق والتحليل.
ـ فضح آليات الخلط بين النجاح الفردي والشرعية العامة.
قانونياً:
ـ تشديد آليات الشفافية والمساءلة.
ـ مراقبة مصادر التمويل السياسي.
ـ تقوية هيئات الحكامة ومحاربة تضارب المصالح.
ـ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
خامساً: كيف يفسر علم الاجتماع السياسي انجذاب بعض النخب لهذا السلوك؟
النخب لا تتحرك دائماً وفق المبادئ، بل أحياناً وفق منطق المحافظة على المواقع والمصالح.
ويشير فيلفريدو باريتو إلى مفهوم “تداول النخب”، حيث تتغير النخب الحاكمة باستمرار. غير أن هذا التداول قد يكون:
ـ تداولاً نوعياً يرفع مستوى الكفاءة.
ـ أو تداولاً ريعياً ينقل النفوذ من مجموعة انتهازية إلى أخرى.
عندما تصبح الثروة السريعة والقدرة على الحشد الانتخابي أهم من الكفاءة والبرنامج، تميل بعض المؤسسات إلى استيعاب فاعلين جدد مهما كانت طبيعة رأسمالهم الأصلي.
سادساً: كيف نفهم الانتقال الرمزي “من الحظيرة إلى قبة البرلمان”؟
في سوسيولوجيا النخب لا يكفي النظر إلى أصل الفاعل الاجتماعي، لأن الديمقراطية نفسها تقوم على إمكان الترقي الاجتماعي.
السؤال ليس: من أين جاء؟ بل: بأي معايير وصل؟
فإذا كان الوصول قد تم عبر الكفاءة والتمثيل السياسي المشروع، فنحن أمام حركية اجتماعية طبيعية.
أما إذا كان الوصول نتيجة شبكات الزبونية والمال الانتخابي واستثمار الهشاشة الاجتماعية، فإننا نكون أمام أزمة في معايير الانتقاء السياسي.
المشكلة إذن ليست في الأصل الاجتماعي، بل في نمط الشرعية الذي يسمح بالصعود.
سابعاً: كيف تظهر عقلية “الفراقشية” داخل البرامج الانتخابية؟
لا تظهر عادة بشكل مباشر، بل من خلال مؤشرات مثل:
ـ تحويل المواطن إلى زبون انتخابي.
ـ التركيز على المنافع الفورية بدل السياسات العمومية.
ـ تضخم الوعود غير القابلة للتنفيذ.
ـ شخصنة العمل السياسي.
ـ استعمال الإحسان بدل الحقوق.
ـ تقديم السياسة باعتبارها توزيعاً للغنائم لا إدارةً للشأن العام.
هذه كلها علامات على انتقال السياسة من منطق المواطنة إلى منطق السوق السياسي.
ثامناً: هل المطلوب إلغاء المصطلح أم تجاوز الشروط التي أنتجته؟
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن إلغاء الظواهر الاجتماعية بمجرد إلغاء الكلمات.
المطلوب ليس فقط محاربة المصطلح، بل معالجة البنية التي تمنحه قابلية الاستمرار:
ـ إعادة الاعتبار للفكر السياسي الرصين.
ـ تقوية المؤسسات الوسيطة.
ـ تجديد النخب على أساس الكفاءة.
ـ تعزيز استقلالية الإعلام.
ـ ترسيخ ثقافة المساءلة.
ـ حماية المجال العمومي من الشعبوية والزبونية.
فالمعركة الحقيقية ليست ضد كلمة “الفراقشية”، بل ضد كل الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الانتهازية مورداً للترقي، ومن الغنيمة بديلاً عن المواطنة، ومن النفوذ بديلاً عن الشرعية الديمقراطية.
وعندما تصبح المواطنة هي المصدر الوحيد للشرعية، يفقد أي سلوك قائم على الاستحواذ أو الزبونية قدرته على التمويه، ويعود إلى موقعه الطبيعي باعتباره انحرافاً عن منطق الدولة الحديثة، لا نموذجاً قابلاً للاقتداء أو التبرير.
كلمة أخيرة:
في انتظار غودو، ينبغي على الأقل منع تداول هذا المصطلح في وسائل الإعلام العمومية. فليست كل الكلمات بريئة، وليست كل المفردات صالحة لأن تتحول إلى جزء من القاموس السياسي المشروع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي انحراف اجتماعي ليس انتشاره، بل نجاحه في اكتساب شرعية لغوية ورمزية. وعندما تنتقل “الفراقشية” من الهامش إلى الاستوديوهات والبرامج والتحليلات السياسية، فإن المشكلة لا تعود في الكلمة نفسها، بل في ما تكشف عنه من أزمة عميقة في معايير التمييز بين المواطنة والغنيمة، وبين الفاعل العمومي وصائد الفرص. لذلك فإن أول خطوة في مقاومة الظاهرة هي رفض تطبيع اللغة التي تمنحها حق الإقامة داخل المجال العمومي. فالديمقراطيات لا تسقط فقط حين تُفسد المؤسسات، بل أيضاً حين تُفسد الكلمات.
*مؤسس الطريق الرابع






تعليقات الزوار ( 0 )