تشهد مراكز القرار في واشنطن تحولات لافتة في مقاربتها للملفات الجيوسياسية بمنطقة غرب المتوسط، حيث تتقاطع مصالح أمنية واستراتيجية جديدة تعيد ترتيب الأولويات، وتبرز المغرب كشريك محوري للولايات المتحدة، في مقابل تراجع نسبي في موقع إسبانيا داخل بعض دوائر التأثير.
وتكشف تقارير صادرة عن مراكز تفكير أمريكية محافظة، من بينها Middle East Forum وAmerican Enterprise Institute، عن تنامي خطاب يدعو إلى تعزيز الشراكة مع المغرب، ويدفع نحو تبني مقاربات غير تقليدية في قضايا حساسة، من قبيل وضع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
وفي هذا السياق، أثار الباحث الأمريكي مايكل روبين جدلا واسعا بعد نشره مقالات اعتبر فيها المدينتين امتدادا جغرافيا للمغرب، مقترحا سيناريوهات مثيرة للجدل بشأن مستقبلهما، وهي أطروحات تظل، وفق متابعين، تعبيرا عن توجهات فكرية داخل بعض التيارات، وليست مواقف رسمية للولايات المتحدة.
المغرب… شريك استراتيجي صاعد
في المقابل، يجمع عدد من المحللين على أن هذا التحول في الخطاب الأمريكي يعكس بالأساس المكانة المتنامية للمغرب كشريك استراتيجي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب، والهجرة، والاستقرار الإقليمي.
وقد تعزز هذا التوجه منذ قرار دونالد ترامب سنة 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي شكل نقطة تحول في مقاربة واشنطن للمنطقة، ورسّخ موقع الرباط كحليف موثوق في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية.
كما أن انخراط المغرب في اتفاقيات دولية كبرى، وتبنيه سياسات متوازنة في علاقاته الخارجية، عززا صورته كشريك مستقر، في وقت تعرف فيه المنطقة تحديات أمنية متزايدة.
سبتة ومليلية… ورقة ضغط أكثر من كونها هدفا
ورغم الجدل الذي تثيره بعض الطروحات داخل الأوساط الأمريكية، يرى مراقبون أن الحديث عن سبتة ومليلية يندرج أساسا ضمن أدوات الضغط السياسي، أكثر منه توجها نحو تغيير ميداني للوضع القائم.
وتؤكد تقارير إسبانية أن المغرب، بحكم موقعه الاستراتيجي، يمتلك أوراق تأثير متعددة، خاصة في ملفات الهجرة والتعاون الأمني، ما يجعله فاعلا رئيسيا في توازنات المنطقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى تصعيد مباشر.
كما أن التجارب السابقة، مثل أزمة الهجرة سنة 2021، أظهرت أن التوترات المحتملة تأخذ طابعا “هجينا”، يجمع بين الضغط السياسي والتحركات غير العسكرية، في إطار إدارة التوازنات الإقليمية.
توازنات معقدة داخل الحلف الأطلسي
من جهة أخرى، تطرح هذه التطورات تساؤلات حول موقع إسبانيا داخل المنظومة الأطلسية، خاصة في ظل تباين المواقف بشأن عدد من القضايا الدولية، وهو ما استغلته بعض التيارات الأمريكية لانتقاد مدريد، والدفع نحو إعادة تقييم علاقاتها داخل الحلف.
غير أن أغلب التقديرات تؤكد أن أي سيناريو تصعيدي يظل مستبعدا، بالنظر إلى تشابك المصالح بين مختلف الأطراف، وحرصها على الحفاظ على الاستقرار في منطقة حيوية كغرب المتوسط.
المغرب بين الواقعية السياسية وتعزيز المكتسبات
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز المغرب كفاعل إقليمي يعتمد مقاربة واقعية تقوم على تعزيز شراكاته الدولية، والدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع القوى الكبرى.
كما أن الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، والمشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة، تعزز من موقعها التفاوضي، وتدعم سرديتها القائمة على التنمية والاستقرار.
ولفت التقرير الإسباني إلى أن هذه التحولات تعكس صراعا ناعما داخل دوائر التأثير الدولية، حيث تتقاطع الرهانات الجيوسياسية مع حسابات النفوذ، في منطقة تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن ضمن سقف تحكمه توازنات دقيقة ومصالح متشابكة.


تعليقات الزوار ( 0 )