لم يعد سؤال الإعلام في المغرب سؤالا تقنييا صرفا أو مهنيا محصورا داخل قاعات التحرير، بل تحول إلى سؤال مجتمعي وسياسي بامتياز: أي إعلام نريد؟ إعلام يواكب التحول الرقمي دون بوصلة، أم إعلاما وطنيا مسؤولا يعيد بناء الثقة ويخدم الصالح العام؟
في زمن فيضان الأخبار الزائفة، وتحول “الترند” إلى معيار، وانزلاق الخطاب أحيانا نحو التفاهة أو الابتزاز، يصبح إصلاح المنظومة الإعلامية ضرورة ديمقراطية ومجتمعية لا ترفا فكريا.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في ست خطوات كبرى تشكل مدخلا واقعيا لإصلاح الحقل الإعلامي بالمغرب.
أولا: مراجعة شاملة تبدأ من التشريع ولا تنتهي عند الحكامة
لا يمكن لإعلام القرن الواحد والعشرين أن يُدار بعقليات وقوانين القرن الماضي، لأن التشريعات الحالية، رغم تعددها، لم تعد قادرة على استيعاب التحول الرقمي، ولا على ضبط العلاقة بين الحرية والمسؤولية.
إن المطلوب اليوم مراجعة شاملة للمنظومة القانونية والتنظيمية، تشمل قانون الصحافة والنشر، وهياكل التقنين، وأنماط الحكامة داخل المؤسسات الإعلامية.
والهدف، هنا والآن، ليس التضييق، بل ملاءمة القانون مع واقع إعلامي جديد، متعدد المنصات، سريع الإيقاع، ومعقّد التأثير.
ثانيا: نحو إعلام وطني قوي يخدم الصالح العام لا الأجندات الضيقة
الإعلام الذي يستفيد من التمويل العمومي لا يمكن أن يكون بلا رؤية وطنية واضحة. فحرية التعبير لا تتناقض مع خدمة الثوابت الكبرى للبلاد، ولا مع المساهمة في الاستقرار المجتمعي. المطلوب هو تحقيق توازن دقيق بين حرية الرأي والمسؤولية الوطنية، بعيدا عن التوظيف السياسوي أو التجاري الضيق.
وفي السياق نفسه، يبرز مفهوم “الأمن النفسي والأسري” كمعيار لا غنى عنه في السياسة الإعلامية، من خلال الحد من المضامين التي تزرع الخوف، أو تعمق العنف الرمزي، أو تمزق النسيج الاجتماعي باسم الإثارة ونسب المشاهدة.
ثالثا: إخراج الإعلام الرقمي من “المنطقة الرمادية” إلى التأطير القانوني
إن التحول الرقمي بات اليوم واقعا حقيقيا لا يمكن تجاهله، ذلك أن الصحافة لم تعد حكرا على الجرائد والقنوات، بل امتدت إلى منصات التواصل، والمواقع، وصناع المحتوى، بل وحتى تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لكن هذا التوسع لا يمكن أن يبقى دون ضوابط.
والمطلوب اليوم هو توسيع مفهوم العمل الصحافي ليشمل الفضاء الرقمي، مع إقرار إطار قانوني وأخلاقي خاص بالصحافة الرقمية، يحدد المسؤوليات، ويحمي الحقوق، ويفصل بين الممارسة المهنية والهواية، وينهي حالة الالتباس التي تسمح بالفوضى والانتهاكات.
رابعا: مكافحة الأخبار الزائفة والتشهير كأولوية أخلاقية
أحد أخطر ما يواجه الإعلام اليوم هو تآكل “قدسية الخبر” . فالأخبار الزائفة، والتشهير، والابتزاز، أصبحت أدوات رخيصة لتحقيق الربح أو تصفية الحسابات.
الإصلاح الحقيقي يمر عبر تعزيز ثقافة التحقق، وتكريس أخلاقيات المهنة، وسن قوانين زجرية عادلة لا تُستعمل لتكميم الأفواه، بل لحماية الأفراد والمجتمع من الفوضى الإعلامية. فالثقة، حين تُهدم، يصعب ترميمها.
خامسا: عدالة في الدعم وحماية الاقتصاد الإعلامي من الريع
يعاني الحقل الإعلامي من اختلالات بنيوية في توزيع الدعم العمومي، وفي الولوج إلى المعلومة الرسمية. لا يمكن الحديث عن إعلام مهني ومستقل في ظل دعم مشروط بالولاءات، أو فرص غير متكافئة.
العدالة تقتضي مساواة فعلية بين وسائل الإعلام، وربط الدعم بمعايير واضحة: الجودة، المهنية، احترام أخلاقيات المهنة، وخدمة الصالح العام. دون ذلك، سيظل الإعلام أسير الهشاشة الاقتصادية والارتهان.
سادسا: حماية الجسم الصحافي من الدخلاء والمتطفلين
لا إصلاح دون حماية المهنة نفسها. ففتح المجال بلا ضوابط سمح بتسلل الدخلاء، وأفرغ الصحافة من معناها المهني.
والمطلوب هو تفعيل آليات تنظيمية أكثر صرامة، وتعزيز دور النقابات المهنية، وتسريع المساءلة القضائية في قضايا التشهير والجرائم الصحافية، ليس للانتقام، بل كوسيلة ردع تحفظ كرامة المهنة.
على سبيل الختام
هذه الخطوات الست لا تطرح وصفة مثالية، لكنها ترسم ملامح طريق ممكن لإصلاح إعلام أنهكته التحولات والفوضى. غير أن أي مشروع إصلاحي لن يرى النور دون إرادة سياسية حقيقية، ومشاركة كل الفاعلين: الدولة، المهنيون، المجتمع المدني، والجمهور.
الرهان الحقيقي هو بناء إعلام وطني، مهني، مستقل، ومسؤول، إعلام يواكب العصر الرقمي، يحفظ كرامة الإنسان، ويعيد ترميم جسور الثقة المهدّمة بين المواطن والمؤسسات.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستتحول هذه الرؤية إلى فعل ملموس في تتزيل مشروع قانون الصحافة المعروض اليوم على المؤسسة التشريعية، أم ستظل مجرد نوايا مؤجلة؟






تعليقات الزوار ( 0 )