لم تكن فيضانات القصر الكبير وآسفي مجرد صور عابرة لمياه جارفة، بل بدت كرسالة إنذار صريحة لمنظومة مائية تُنفق المليارات لمواجهة العطش، بينما تعجز عن استيعاب فائض الماء حين يأتي دفعة واحدة.
ففي بلد يراهن بقوة على تحلية مياه البحر، ما معنى أن تُهدر ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة في البحر كل سنة؟ وهل نحن أمام تقلبات مناخية استثنائية، أم أمام اختلالات بنيوية في التخطيط والتدبير؟
لمقاربة هذه الأسئلة من زاوية استراتيجية، تحاور جريدة “الشعاع الجديد” أمين سامي، الخبير في التخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير، الذي يقدّم قراءة هادئة لكنها حاسمة: ما يحدث ليس حادثًا عابرًا، بل اختبار ضغط حقيقي لنموذج الأمن المائي بالمغرب.
إلى أي حد ما يزال تدبير الأمن المائي في المغرب محكومًا بمنطق ردّ الفعل تجاه الجفاف؟
إلى حدّ كبير، نعم. السياسات الحالية تركز أساسًا على سد العجز: التحلية، نقل المياه، تدبير الطلب، وهو توجه مفهوم بعد سبع سنوات من الجفاف.
لكن إدماج مخاطر الفيضانات يتطلب تحولًا أعمق في “عقيدة التدبير”، من إدارة الندرة فقط إلى إدارة التذبذب: جفاف وفيضانات معًا.
التقارير الوطنية والدولية حول مخاطر الكوارث تدفع بوضوح نحو مقاربة وقائية ومندمجة، على المستوى الترابي، بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأضرار.
كيف تقيّمون، من منظور التخطيط الاستراتيجي، طريقة تدبير المغرب للفيضانات الأخيرة؟ هل نحن أمام ظرف طبيعي استثنائي أم نتيجة اختلالات بنيوية؟
في الواقع، نحن أمام تداخل بين العاملين معًا. من جهة، لا يمكن إنكار أن ما وقع في القصر الكبير مثلًا ناتج عن ظرف طبيعي أكثر حدّة، حيث أدت أمطار متواصلة وارتفاع استثنائي في منسوب الأودية إلى إجلاءات واسعة وخسائر مادية.
لكن من جهة أخرى، وهذا هو الأهم استراتيجيًا، فقد كشفت هذه الأحداث عن عطب بنيوي مزمن.
تقارير الحكامة العمومية حول تدبير الكوارث تُسجّل منذ سنوات فجوات واضحة في الوقاية، وفي الإطار المؤسساتي، وفي تنسيق التدخلات ومقاربة المخاطر، بما فيها مخاطر الفيضانات.
من هذا المنطلق، ما حدث ليس “حادثًا عرضيًا”، بل هو Stress-test حقيقي لمنظومة الماء والتعمير والصيانة والإنذار.
كيف تفسرون التناقض بين استثمارات ضخمة في تحلية مياه البحر، وضياع كميات هائلة من المياه العذبة في البحر؟
يبدو التناقض صادمًا ظاهريًا، لكنه يصبح مفهومًا إذا نظرنا إلى منطق المحافظ الاستثمارية.
التحلية تمثل موردًا “مُسيطرًا عليه”؛ فهي تُقام حيث يوجد الطلب الساحلي، بإنتاج سنوي مضبوط بعقود طاقة وتشغيل. اليوم، يشغّل المغرب 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة تقارب 345 مليون متر مكعب سنويًا، ويستهدف بلوغ 1.7 مليار متر مكعب بحلول 2030، مع اعتماد متزايد على التحلية لتأمين مياه الشرب.
في المقابل، تمثل الفيضانات والسيول موردًا “متقلبًا”، يحتاج إلى سعات تخزين، وصيانة للمجاري، وأحواض تهدئة، وبنيات تحويل. وعندما تكون هذه السعات محدودة، يُضطر المسيرون إلى تصريف كميات كبيرة لتفادي مخاطر أكبر.
بمنطق الأعمال، يمكن القول إننا نحسن الاستثمار الرأسمالي في مصدر مضمون كتحلية المياه، لكننا نقصر في الاستثمار، سواء الرأسمالي أو التشغيلي، في التقاط ذروة المياه السطحية.
هل تكشف فيضانات القصر الكبير وآسفي عن ضعف في البنية التحتية المحلية، أم عن غياب رؤية وطنية لتثمين الفوائض وربط الأحواض؟
في الحقيقة، لا يمكن الفصل بين الأمرين، لأننا أمام سلسلة واحدة مترابطة.
هناك ضعف في البنية الحضرية-المائية المحلية، سواء على مستوى تصريف مياه الأمطار، أو حماية الضفاف، أو توسيع وتنقية المجاري، أو صيانة المنشآت، رغم المجهودات المبذولة. لكن حين يدخل الماء إلى المدينة، يتحول من “حدث طبيعي” إلى أزمة أصول حضرية تمس الطرق والشبكات والاقتصاد المحلي.
في المقابل، هناك بطء في تفعيل رؤية وطنية متكاملة لالتقاط الفوائض المائية. صحيح أن المغرب يتوفر على المخطط الوطني للماء 2020-2050، وبدأ فعليًا في مشاريع ربط الأحواض، مثل تحويل مياه سبو نحو أبي رقراق، لكن المنطق ظل أقرب إلى إنقاذ مياه الشرب منه إلى بناء منظومة وطنية لرسملة مياه الفيضانات.
لهذا أقول إن القصر الكبير وآسفي ليستا حالتين معزولتين، بل نقطتي كشف لثلاث حلقات مترابطة: التعمير، والبنية المحلية، وحوكمة التخزين والتحويل.
ما الكلفة الاستراتيجية والاجتماعية لعدم الاستثمار اليوم في نقل وتخزين مياه الفيضانات؟
الكلفة تُدفع الآن، وستُدفع مضاعفة في المستقبل.
حاليًا، نتحمل خسائر في الأصول الحضرية: طرق، شبكات، محلات، منازل، إضافة إلى توقف النشاط الاقتصادي المحلي. اجتماعيًا، هناك إجلاءات قسرية، وهشاشة نفسية وتعليمية وصحية.
كما نهدر موردا ثمينا، إذ تضيع ملايين الأمتار المكعبة بسبب محدودية سعات التخزين واضطرارنا إلى تصريف المياه.
أما مستقبلا، فاستمرار هذا المسار يعني مخاطر عطش وعدم استقرار، لأن كل متر مكعب لم يُلتقط زمن الفيضانات يرفع لاحقا فاتورة التحلية والنقل، وهي أعلى كلفة من حيث الطاقة والتشغيل.
إضافة إلى ذلك، قد تتحول بعض المدن والأقاليم إلى “مناطق عالية المخاطر”، ما يضعف جاذبيتها الاستثمارية ويرفع كلفة التأمين والتمويل.
ما البديل الاستراتيجي الذي تقترحونه؟
نحن في حاجة إلى تصحيح محفظة الأمن المائي. إذا أردت تلخيص ذلك في عنوان واحد: من “التحلية والإسعاف” إلى الالتقاط، والتخزين، والحماية، والتحويل.
هذا يمر عبر ثلاثة تحولات عملية: أولًا، برنامج “تحويل الفيضانات إلى أصل”، عبر أحواض تهدئة، وخزانات محلية، وتغذية الفرشات المائية، وحلول طبيعية لتدبير مجالات الفيضانات. ثانيًا، إعطاء أولوية حقيقية للصيانة التشغيلية، لأنها أقل كلفة بكثير من إعادة البناء بعد كل كارثة.
ثالثا وأخيرا، ربط الأحواض كمنظومة وطنية، بقواعد تشغيل شفافة، تربط التنبؤات المناخية بقرارات التخزين والتفريغ.
خلاصة القول: المغرب لا يحتاج فقط إلى ماء أكثر، بل إلى نموذج تشغيل جديد للماء: من إدارة الندرة إلى إدارة التذبذب، ومن مشاريع مرئية متفرقة إلى منظومة مرونة مستدامة.


تعليقات الزوار ( 0 )