أخبار ساعة

21:59 - خريطة المملكة المبتورة من أقاليمها الجنوبية تضع كاتبة الدولة في الصيد البحري في مرمى الانتقادات21:51 - مختلّ عقلي يحاول اقتحام مقرّ بلدية سيدي قاسم20:26 - ترامب يحسم اليوم قراره النهائي بشأن الاتفاق مع إيران20:05 - إسبانيا تسجل رقما قياسيا في منح الجنسية للأجانب عام 2025 والمغاربة في الصدارة19:07 - من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان19:01 - إنريكي يحسم الجدل: حكيمي جاهز لقيادة باريس في نهائي أبطال أوروبا18:56 - النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي18:52 - حرب التزكيات بحزب الاستقلال بين طموحات الزعامات المحلية وتحكم القيادة المركزية18:41 - أم الطفل الراعي محمدينو تفجر معطيات جديدة: ابني لم ينتحر.. واعتذر للحقوقي قاشا بعد “ضغوط” لإبعاده عن الملف18:28 - توقيف المشتبه فيه الرئيسي في واقعة تحريض طفل على استهلاك الكحول
الرئيسية » مقالات الرأي » النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

     حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا يكتبون القصيدةَ بوصفها زينة لغوية، بلْ بوصفها سِلاحًا رُوحيًّا، وأداةَ مُقاومةٍ.

     وَمِنْ بَين أهمِّ هؤلاء الشعراء، يَبْرز الشاعرُ الفِلَسطيني سميح القاسم ( 1939_ 2014 ) ، والشاعرُ الروسي فلاديمير ماياكوفسكي ( 1893_ 1930 انتحار )، بوصفهما صَوْتَيْن ثوريين انطلقا من بيئتين مختلفتين، لكنَّهما التقيا في جَوهر الرؤية الشعرية: الإيمان بأنَّ الكلمة قادرة على هَزِّ العالَم.

     عاشَ القاسم تجربةَ الاحتلال والقهر والاقتلاع، فكانتْ قصيدته ابنة الأرض الفِلَسطينية الجريحة، بَينما عاشَ ماياكوفسكي اضطرابات روسيا الثَّوْرية وانفجاراتها الاجتماعية والسياسية، فصارَ شِعْرُه مِرآةً لعصرٍ يبحث عن ولادة جديدة. ورغم اختلافِ الجُغرافيا والتاريخ، فإنَّ النبرة الثورية لدى الشاعرَيْن تكشف تشابهًا عميقًا في البِنْيَة النَّفْسية والفنية والفكرية.

     لَم يكن التمردُ عند القاسم موقفًا عابرًا، بلْ كانَ جَوهرَ تَكوينه الشعري، فهو شاعر يَرى في الصمتِ خيانةً، وفي الكلمة مسؤولية أخلاقية. لذلك، جاءتْ قصائده حادَّة، وصاخبة، ومليئة بنداءات التحدي والصمود. لقدْ خاطبَ المُحْتَلَّ مباشرة، وخاطبَ شَعْبَه، وخاطبَ التاريخَ نَفْسَه، كأنَّه يريد أن يثبت أن الفِلَسطيني لا يُهزَم ما دامَ قادرًا على الكلام.

     في قصائده تتحوَّل الذاتُ الفردية إلى رمز جَمَاعي، ويصبح الشاعرُ صُورةً للشعبِ بأكمله. الكِبرياءُ هُنا لَيست شُعورًا ذاتيًّا، بلْ هِيَ حالة مُقاومة. والنبرةُ المرتفعة، والإيقاعُ الحاسم، والجُمَلُ القصيرة المُتدفقة، كُلُّها تجعل القصيدةَ أقرب إلى خِطاب ثَوْري يُلْقَى في ساحةِ نضالٍ.

     أمَّا ماياكوفسكي، فقدْ كانَ يَرى الشعرَ فِعلًا تغييريًّا مباشرًا. لقد تمرَّدَ على الأشكال الشعرية التقليدية، واللغةِ الهادئة، والنُّخبةِ الثقافية، وكتبَ شِعرًا يُشبِه الانفجارَ. كانَ يُريد للكلمة أن تكون مِطرقة، وللقصيدةِ أن تكون طلقة. ولهذا جاءتْ قصائدُه ممتلئة بالصُّراخ، والاستفزاز، والطاقةِ العنيفة التي تهزُّ القارئَ.

     إنَّ ما يَجْمع بين الشاعرَيْن هو رفضهما لفكرة” الشاعر المنعزل”. كِلاهما خرج مِن بُرج الشعر العاجي إلى الشارعِ والتاريخِ والجماهير، وصارَ الشعرُ عندهما مُمارسة نضالية لا نشاطًا جَمَالِيًّا فقط.

     تميَّزت لغةُ القاسم بالقوةِ والوضوح والاندفاع، فهو لا يكتب بلغةٍ هامسة، بلْ بلغة تُواجِه وتَصطدم وتُعْلِن. تتكرَّر في شِعره الأفعالُ الحركية، وصِيَغ التحدي، والمفردات المرتبطة بالأرضِ والدَّمِ والحرية. ورُمُوزُه تظلُّ مشتعلة بالمعنى السياسي والإنساني. وقصيدته تتحرَّك بإيقاع جماهيري واضح، وكأنَّها كُتبت لِتُلقى أمام الحُشود. وهذا مَا منح شِعْرَه قُدرةً استثنائية على الانتشار والتأثير، إذْ لَم يبقَ حبيسَ النُّخبة الأدبية، بلْ تَحَوَّلَ إلى جُزء مِن الوِجدان الفِلَسطيني والعربي.

     أمَّا ماياكوفسكي فقدْ أحدثَ ثورةً لغوية حقيقية في الشعر الروسي. لقدْ كسرَ نظامَ القصيدة التقليدية، واعتمدَ الجُملَ المتوترة، والإيقاعات المُفاجئة، والتراكيب الحادَّة. كانَ يكتب كما لَوْ أنه يَخطُب في مُظاهرة، أوْ يَصرخ مِن فَوق مِنَصَّة ثّوْرية. لذلك تبدو قصائده أحيانًا أقرب إلى العاصفة مِنها إلى الغِناء.

     وقد استخدمَ الشاعران التَّكرارَ بوصفه أداةً تحريضية، فالتَّكرارُ عِندهما لا يُؤَدِّي وظيفةً موسيقية فَحَسْب، بلْ يَصنع حالةً نَفْسية جَمَاعية، ويمنح النَّصَّ قوةً خَطابية تُشبِه الهُتافَ الثَّوْري.

     يؤمن القاسم بأنَّ الإنسان قادر على الانتصار، حتى في أقسى ظُروف القهر. لذلك تَظهر في شِعره صُورةُ الفِلَسطيني الصامد الذي يَتحوَّل إلى أُسطورة مُقاومة. إنَّه لا يُقَدِّم الضحيةَ بوصفها كائنًا منكسرًا، بلْ بوصفها قوةً أخلاقية تتفوَّق على جَلَّادها.

     في المقابل، كانَ ماياكوفسكي مُنحازًا إلى الإنسان البسيط الذي سحقته الأنظمةُ الطبقية القديمة. لقدْ حَلُمَ بعالَم جديد أكثر عدالة، ورأى في الثَّورةِ البُلشفية خَلاصًا جَماعيًّا للإنسان. لذلك جاءتْ قصائده مملوءة بالعُمَّالِ والفقراء والجماهير الثائرة.

     وهُنا تتجلى نقطةُ الالتقاء الكُبرى بين الشاعرَيْن: كِلاهما مُنحاز إلى الإنسان المقهور، ويَعتبر الشعرَ جُزءًا من معركة التحرُّر.

     ورغم القوةِ الظاهرة في شِعرهما، فإنَّ المُتأمل العميق يكتشف أنَّ النبرة الثَّوْرية عند الشاعرَيْن تُخْفي جُرحًا داخليًّا هائلًا.

     القاسم، خلف صَوته الصُّلب، كانَ يَحمل ألَمَ المنفى الداخلي والخوف على الهُوية الفِلَسطينية مِنَ المَحْو. لذلك تَظهر في بعض نُصوصه مساحاتٌ من الحُزن والتأمل والقلق الوجودي.

     أمَّا ماياكوفسكي، فرغم صُراخه الثوري العنيف،فقدْ عاشَ صِراعًا نَفْسِيًّا عميقًا بين أحلامِ الثَّوْرة وواقعِ الحياةِ القاسي. كانَ يؤمن بالمستقبل، لكنَّه كان يشعر أيضًا بِوَحدة قاتلة، وانكسارٍ داخلي، انتهى بمأساة شخصية مؤلمة.

     ومِن هُنا فإنَّ الثورة في شِعرهما لَيست مُجرَّد موقف سياسي، بلْ تجربة إنسانية مُعقَّدة تمتزج فيها القوةُ بالألم ، والأملُ بالخَيْبَة، والحُلْمُ بالخسارة.

كاتب من الأردن

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان

29 مايو 2026 - 7:07 م

كثير من الحبر استخدم في الكتابة عن اسباب فشل الربيع العربي و التحول الديمقراطي و تم ارجاع المسألة لجشع الاسلاميين

حرب التزكيات بحزب الاستقلال بين طموحات الزعامات المحلية وتحكم القيادة المركزية

29 مايو 2026 - 6:52 م

تشهد كواليس حزب الاستقلال في المغرب صراعاً محتدماً حول “حرب التزكيات” مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ل 23 شتبر 2026 ،

تحت تخدير المحتوى السريع.. مجتمع مدمن للفرجة يضحي بالتحصيل العلمي والتماسك الأسري

29 مايو 2026 - 12:49 م

طفل قاصر يتجرع مادة كحولية في شريط مصور يغزو الهواتف، سماسرة الأغنام أبطال مقاطع بنكهة شماتة مستفزة تعلن انتصار السوق

الطريق الرابع: تحرير اليسار من سجن الإيديولوجيا وإعادة بناء الفكرة

28 مايو 2026 - 1:21 م

لسنا في حاجة إلى تقديم أي تبرير لكتابة هذا المقال هنا والآن؛ فكل من تابع سلسلة مقالاتنا يدرك جيدًا أن

كيف ساهمت طنجة في تغيير الملكية البريطانية؟

28 مايو 2026 - 12:21 م

في بعض الأحيان يعثر المرء على وثائق تاريخية تبرز كيف ساهمت أحداث تاريخية ليست معروفة بما هو كافٍ، في وقوع

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°