يقضي الأجير البسيط زهرة عمره يلهث خلف سراب يحسبه من عظيم الإنجازات وهو في حقيقة الأمر محض أوهام نسجت بمكر شديد لتستنزف طاقاته وتجعله عبدا طائعا لآلة استهلاكية لا ترحم.
تتأرجح حياة هذا العامل بين الكدح والأمل في بلوغ تفاهات يرتضي انتظارها بشغف كترقية إدارية بائسة أو انتقال مهني من منطقة لأخرى كما هو حال موظفي التعليم وصولا إلى تحقيق ما يسمى مجازا بالحلم المغربي المتمثل في شقة سكنية وسيارة وزواج يثمر أبناء.
وما هي إلا أن تنقضي سنوات الشباب حتى يدرك جحود الأيام فيجد نفسه مثقلا بالضنى والكمد بعد أن تبين متأخرا أن تلك الغايات التي أفنى فيها جسده لم تكن سوى طعم نصب بإحكام ليقضي خريف عمره ينفق ما تبقى من دريهمات على أطباء وتحاليل وأدوية تسكن آلامه الجسدية وتخفف عنه وطأة التعب والإرهاق النفسي.
ومن المعلوم أن هذا الاستلاب الممنهج لم ينشأ صدفة في مجتمعاتنا بل يعود بجذوره العميقة وتأسيسه التاريخي إلى حقبة الثورة الصناعية بالولايات المتحدة الأمريكية حيث تم انتزاع الإنسان بعنف من حضن الطبيعة الهادئ وحياته الزراعية البسيطة التي كانت توفر له راحة البال ليزج به في أتون المصانع المظلمة وفق نظام الدوام اليومي الصارم.
فأما المجتمع القديم وأما ما كان يشهده من تضامن أسري فقد تم تفكيكه بدهاء بالغ لتدخل المرأة سوق العمل تلبية للجشع الرأسمالي المتصاعد ويتم ابتكار نظام المدارس النظامية لا لتربية النشء وتثقيفه كما يزعم الساسة وإنما لشغل الأطفال وحبسهم نهارا ريثما ينهي الأبوان دوامهما التشغيلي الشاق. لتتناسل بعد ذلك الاختراعات الاجتماعية لتكريس هذا النمط الخانق فظهرت الشقق السكنية الضيقة كعلب الكبريت لتكديس العمال وانتشرت مطاعم الأكل السريع لتوفير الوقت المهدر في الطبخ وكل ذلك يصب في غاية واحدة تضمن عودة الأجير في اليوم الموالي بكامل طاقته لخدمة الآلة الإنتاجية.
ليس هذا النظام الشيطاني مقصورا على استغلال الجهد البدني فحسب وإنما يتجاوزه إلى هندسة سيكولوجية تستلهم مشهد حمار الطاحونة الذي يدور معصوب العينين لتندفع الرحى في حركة متصلة ويتحول كدحه المضني وعرقه المتصبب إلى فائدة خالصة يجنيها من ربطه في ذلك المدار المغلق. على أن الرأسمالية الحديثة طورت هذا المشهد البدائي لتحول المواطن إلى ما يشبه قوارض الهامستر داخل قفص زجاجي يأكل ويشرب ويتزاوج ثم يركض بجنون داخل بكرة دوارة تمنحه وهما بالتقدم والانطلاق بينما هو مسمر في مكانه يولد الثروة والذهب لغيره.
دوام هذا الركض العبثي استوجب خلق آليات خفية تضمن ولاء الهامستر البشري وعدم تمرده فكان نظام الأبناك والقروض هو السلسلة الفولاذية التي تقيد عنق الموظف لعقود طوال. يندفع الشاب في مقتبل العمر لاقتناء مسكن أو مركب عبر تمويل بنكي يمتد إلى 25 سنة فيرتهن مستقبله وتصادر حريته المطلقة في التبرم والسخط مسلما رقبته لفوائد ربوية تضاعف ثمن السلعة ليبقى أسيرا لدوام الإدارة خوفا من التشرد والضياع.
أحق هذا؟ أم الحق شيء آخر هو أن هذه القروض المالية ليست سوى أداة عبقرية لاستعباد طوعي يجعل الموظف يحرس سجنه بنفسه ويدفع تكاليف زنزانته من عرق جبينه.
كما أن ضمان استمرارية دوران البكرة داخل قفص الموظف الهامستر قد استلزم اعتماد سياسة ماكرة تقوم على ثنائية العصا والجزرة. فأما العصا فتتجلى في قوانين الشغل الصارمة والمذكرات اللامتناهية التي تجدد المهام وتثقل الكاهل ملوحة دائما بسيف الضياع والتشرد حال التوقف عن العمل أو التقاعس عن الإنتاج.
وأما الجزرة فتتمثل في تلك العطل السنوية والأسبوعية التي تمنح بقطارة شحيحة حتى غدا أقصى ما يطمح إليه الأجير هو انتظار نهاية الأسبوع ليخرج في نزهة عابرة يتنفس فيها الصعداء.
ولا عجب أن يتم تعزيز هذا النمط الاستعبادي بوسائل فعالة للإلهاء والترفيه المزيف من مهرجانات ماجنة ومباريات كرة قدم وملاهي ليلية ليغرق الموظف في غيبوبة تنسيه تماما غاية وجوده الحقيقية وتطمس في وعيه كل رغبة في التحرر والانعتقاق.
تكتمل أركان هذه المتاهة الماكرة بأنظمة التعاضد الصحي والتقاعد التي تسوق للقطيع المنهك على أنها مكتسبات اجتماعية توفر الاستقرار والطمأنينة بينما هي في جوهرها أدوات صيانة لآلة الهامستر البشرية كي لا تتوقف عن الدوران.
فنظام التغطية الصحية لا يهدف إلى إطالة عمر الإنسان حبا في سواد عينيه بل يسعى جاهدا للحفاظ عليه معافى بالقدر الذي يسمح له بالاستمرار في الاستهلاك ودفع الضرائب حتى إذا استهلكت قواه وبات عبئا ثقيلا ترك ليواجه الخطوب والنوائب الصحية بما تبقى له من فتات المعاش.
ثم يأتي نظام التقاعد ليبيع الأجير وهما إضافيا براحة متأخرة بعد 60 عاما من الشقاء المتصل حيث يقتطع النظام جزءا من جهد الشاب ليصرفه له شيخا هزيلا لا يقوى على الاستمتاع بشيء منتظرا منيته في صمت مقيت بعد أن استنزفت الرأسمالية المتوحشة كامل صلاحيته كمستهلك وفي للسلع والخدمات.
يقف كبار المستفيدين من هذه المنظومة الاقتصادية الجبارة بعيدا جدا عن هذا القفص المصطنع فهم لا يركضون في البكرات الدوارة ولا يرهنون حيواتهم لمؤسسات الائتمان بل يراقبون من أبراجهم العاجية دوران العجلة التي تضخ الثروات الهائلة في حساباتهم المكدسة. وما المدارس والمصانع والأبناك والمستشفيات سوى حلقات مترابطة في سلسلة استعباد حديثة صممت بدهاء سوسيولوجي بالغ لتفريغ الإنسان من غايته الوجودية.
وإذا سولت لأحد نفسه التمرد على هذا النسق أو فكر مجرد التفكير في التوقف عن تدوير البكرة والخروج من القفص وجد في انتظاره ترسانة من القوانين الزجرية وأجهزة أمنية مسخرة بعناية لضبط الإيقاع.
فهذه الآليات والمؤسسات التي تدعي أنظمة الدول الحديثة تأسيسها لحماية الأفراد ورعاية مصالحهم ما هي في عمقها السحيق سوى سياج حديدي متين شيد لحماية النظام الرأسمالي وضمان استمراريته وزرع الخوف والرهبة في قلوب الموظفين لتبديد أي نزوع نحو التحرر الفعلي مبقية إياهم مجرد كائنات ميكانيكية تركض نحو نهايتها الحتمية دون أن تدرك يوما المعنى الحقيقي للحياة الحرة.




تعليقات الزوار ( 0 )