يقف عالم اليوم شاهدا على أبشع صور الانفصام الفكري والغياب التام للمعنى الإنساني، حيث تتلاقى المتناقضات ويختل ميزان العدل في مشهد عبثي تندهش له العقول.
تفصلنا ساعات معدودات عن انطلاق بطولة كأس العالم بالولايات المتحدة الأمريكية وتتجدد المواجهة العسكرية غير المتكافئة في الشرق الأوسط، لتعود الآلة الحربية الأمريكية إلى قصف إيران بهدف إجبارها على توقيع معاهدة يبدو ظاهرها اتفاقا سياسيا وباطنها إذعان مطلق.
تستضيف الولايات المتحدة ذاتها الوفد الرياضي الإيراني فوق الأراضي الأمريكية للتباري بكرة القدم التي يدعون أنها توحد الشعوب، يا لها من مفارقة عجيبة !
يتزامن اللعب بروح رياضية مع الإيرانيين مع حصار الملايين من الأبرياء وتجويعهم، لتنتشر الكوارث المهلكة بين الأطفال والنساء والشيوخ الذين يكابدون الجوع والجزع تحت وطأة القصف، وتعاني ساكنة قطاع غزة والجنوب اللبناني المرارة نفسها في إصرار مقيت على الإبادة والتدمير الممنهج من طرف آلات الحرب العمياء.
فأما الحديث عن الرياضة وأما التغني بقدرتها على توحيد الشعوب ونشر الوئام والسلام، فمحض هراء يسوقه سماسرة الترفيه لتبرير إنفاق الملايير من الدولارات على ملاعب ومنشآت لا تسمن ولا تغني من جوع.
ترصد دول العالم ميزانيات فلكية تتجاوز 200 مليار دولار لتنظيم بطولات كروية عابرة، بينما كان من الأجدر توجيهها لملء أجواف الأطفال الجوعى الخاوية ودعم مستشفيات تفتقر لأبسط مقومات إغاثة المرضى والمصابين.
أحق هذا؟ أم الحق شيء آخر هو استبدال البشرية أولوياتها الحيوية بمتع لحظية زائلة، مفضلة الاستثمار في الترفيه المبالغ فيه بدل توجيه تلك الثروات الطائلة لإنقاذ أرواح تزهق كل دقيقة بسبب نقص الدواء والغذاء وغياب المأوى الآمن.
يبلغ العجب ذروته حين نتأمل موقع الكائن البشري في الكون الفسيح، فمن البين أن هذا العالم بكل ما يحمله من بشر وحجر لا يمثل قدر حبة رمل في صحراء مترامية الأطراف داخل كون يضم عددا لا يستوعبه العقل من الأجرام والمجرات السماوية التي تسبح في صمت مهيب.
رغم هذا التضاؤل الكوني وهذا الحجم المتناهي في الصغر، يضيق الكوكب الصغير بأفعال سكانه وجنونهم المدمر ومطامعهم التي لا تقف عند حد.
لم يتمكن الإنسان الذي استعمر الأرض منذ آلاف السنين وراكم من المعارف والعلوم ما يثير الدهشة من إرساء قواعد الحوار الحضاري، مفضلا الركون إلى الحرب والجدال وإشعال الحرائق كلما ضاقت به السبل وانقطعت حججه.
يظن هذا الكائن الضعيف المفتون بماضيه وحاضره امتلاكه زمام المبادرة ومقاليد القوة المطلقة، فيطغى ويتجبر لتحقيق المكاسب الدنيوية متناسيا حقيقة وجوده العابر ومصيره المحتوم الذي يسوقه نحو الفناء المحقق.
ستسكن الجماهير الغفيرة قريبا مدرجات الملاعب المضاءة، لتتجلى أبشع صور اللامبالاة الإنسانية والانفصام النفسي العميق، حيث تنفجر فرحة هستيرية جماعية لمجرد دخول جلد منفوخ بين 3 عوارض خشبية، بينما يقف العالم بارد الإحساس متبلدا أمام مشاهد إزهاق أرواح الأطفال تحت الأنقاض المشتعلة.
يعتري هذا الجنون الواضح حضارة تدعي التقدم المعرفي والعلمي، لكنها كلما تقدمت في العمر وتراكمت تجاربها عبر الزمن زادت من اختلال القيم ورسخت سطوة اللامعنى في أدق تفاصيل الحياة اليومية جاعلة من الفرد كائنا مفرغا من أي تعاطف وجداني أصيل.
يثبت عالم اليوم إفلاسه القيمي والأخلاقي إفلاسا لا رجعة فيه. لا يعتبر مشروع اللامعنى وليد اللحظة بل هو عمل ممنهج أفرز هذا التيه الحضاري الذي حول الإنسان إلى مجرد رقم استهلاكي في مدرجات الفرجة أو هدفا مشروعا في خرائط القصف، مكرسا لعالم تحكمه أقلية متوحشة تقتات على دماء الأبرياء لتشييد صروح الوهم وتخدير العقول بشعارات فارغة من أي مضمون أخلاقي سليم، لتبدو هذه الأقلية مجرد مجلس تدبير مصغر يترأسه الشيطان الأكبر.




تعليقات الزوار ( 0 )