شهدت الندوة التي نظمتها جريدة الشعاع الجديد، بعنوان “المثقف داخل الأحزاب السياسية: فاعل ناقد أم تابع منضبط؟” في مقرها بالرباط، مساء الأربعاء، نقاشا غنيا حول موقع المثقف داخل الأحزاب السياسية المغربية، ومدى قدرته على التأثير في القرار الحزبي في ظل التحولات التي عرفها الحقل السياسي والتنظيمي.
وأجمع المتدخلون على أن العلاقة بين المثقف والسياسة عرفت تحولات عميقة، وأن الأحزاب لم تعد تحتفظ بالمكانة نفسها التي كان يحتلها المثقف داخلها خلال العقود السابقة، غير أنهم اختلفوا في تفسير أسباب هذا التراجع ومآلاته.
وانطلق الأستاذ والحقوقي عبد المطلب أعميار من سؤال العلاقة التاريخية بين الثقافة والسياسة، حيث اعتبر أن المثقف المغربي انتقل من نموذج “المثقف الوطني” الذي ساهم في بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال إلى “المثقف الديمقراطي” الذي ارتبط بقضايا الإصلاح السياسي والدستوري خلال السبعينيات وما بعدها.

ويرى الأستاذ أعميار أن المثقف كان في السابق شريكا في إنتاج القرار الحزبي وصياغة المشاريع المجتمعية، قبل أن تعرف الأحزاب تحولات جعلتها أقرب إلى “المقاولات الانتخابية” منها إلى الحواضن الفكرية.
وبحسب أعميار، فإن جزء من الأزمة يعود إلى صعود ما سماه “القبيلة الحزبية الجديدة”، حيث أصبحت المصالح والنفوذ والمال تؤطر العلاقات داخل بعض الأحزاب، الأمر الذي همّش دور المثقف وأضعف الوظيفة العقلانية والإصلاحية للحزب السياسي. كما اعتبر أن مهمة المثقف اليوم تتمثل في التنبيه إلى هذه التحولات والدفاع عن قيم العقلانية والديمقراطية حتى من خارج التنظيمات الحزبية.

في مقابل ذلك ركزت الأستاذة لطيفة البوحسيني على البعد المفاهيمي والتاريخي لفكرة المثقف، مستحضرة نماذج عالمية مثل إميل زولا وغرامشي وسارتر، ومؤكدة أن المثقف ليس مجرد صاحب معرفة، بل فاعل يلتزم بقضايا المجتمع وقيم العدالة والحرية.

وأشارت الناشطة الحقوقية إلى أن الحركة الوطنية المغربية والأحزاب اليسارية كانت تعتمد بشكل كبير على المثقفين في صياغة المشاريع الفكرية والبرامج السياسية، وأن قوة هذه الأحزاب كانت مرتبطة بوجود نخب ثقافية وفكرية داخلها.
وترى البوحسيني أن الأزمة الحالية لا تعني اختفاء المثقف، بل تعني تراجع دوره داخل التنظيمات الحزبية بسبب الاستقطاب الذي مارسته الدولة تجاه بعض النخب، وبسبب تحول بعض الأحزاب إلى هياكل تفتقر إلى المشروع الفكري. ومع ذلك، شددت على أن الأحزاب الجادة لا تستطيع الاستغناء عن المثقفين، سواء كانوا داخل التنظيم أو خارجه، لأنهم يظلون مصدر الأفكار والرؤى والقدرة على تغذية النقاش العمومي وصياغة البدائل.

أما الأستاذ بلال التليدي فقد قدم قراءة مغايرة انطلاقا من تجربته داخل الحركة الإسلامية وحزب العدالة والتنمية تحديدا.

وميز التليدي بين نوعين من الأحزاب: أحزاب تقوم على المصالح والنفوذ، حيث يتحول المثقف إلى مجرد خبير أو موظف في خدمة السياسي، وأحزاب تنطلق من مشروع إصلاحي يكون فيها المثقف مؤسسا ومنظرا ومعبئا.
وأكد الباحث الأكاديمي في الفكر السياسي والحركات الإسلامية أن المثقف يؤدي دور “الضمير النقدي” داخل الحزب، لكنه غالبا ما يتعرض للتهميش عندما تصبح القيادة غير متسامحة مع النقد أو عندما ينتقل التنظيم من منطق المشروع إلى منطق الأشخاص.

كما اعتبر أن التجربة الحزبية الحديثة كشفت عن هشاشة العلاقة بين الفكر والقرار السياسي، حيث تُنتج الأطروحات النظرية والوثائق المرجعية، لكنها غالبا ما تُستبعد عند لحظات اتخاذ القرار.
وفي سياق حديثه عن التحولات الراهنة، أشار إلى أن السياسي أصبح أكثر حاجة إلى الناشط الرقمي القادر على إنتاج الرسائل السريعة والتأثير في شبكات التواصل الاجتماعي من حاجته إلى المثقف المنتج للأفكار، وهو ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بتراجع الاهتمام بالمشاريع الفكرية لصالح منطق التواصل الفوري والشعبوية الرقمية.
وإذا كان المتدخلون قد اختلفوا في تشخيص بعض التفاصيل، فإنهم أجمعوا حول فكرة أساسية مفادها أن الحزب الذي يفقد مثقفيه يفقد جزء كبيرا من روحه ومن قدرته على إنتاج مشروع مجتمعي متماسك.
كما أجمعوا من خلال الندوة التي أطرها الزميل الإعلامي نورالدين لشهب، على أن مستقبل العمل الحزبي والديمقراطي يظل مرتبطا بقدرة الأحزاب على استعادة دور الفكر والنقاش العمومي، وبحفاظ المثقف على استقلاليته النقدية، سواء من داخل التنظيمات السياسية أو من خارجها.

ولمتابعة الندوة يرجى الضغط على الشريط المسجل بالصوت والصورة أسفله..




تعليقات الزوار ( 0 )