يؤكد تقرير تحليلي نشره موقع “أتالايار” الإسباني أن المغرب نجح، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، في ترسيخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة عبر سياسة خارجية متماسكة تجمع بين الواقعية الاستراتيجية والانفتاح الدبلوماسي والاقتصادي.
ويرى التقرير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، خاصة مع بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، فتحت المجال أمام ما يُعرف بـ”القوى المتوسطة الذكية” التي تستطيع توظيف موقعها الجغرافي وشبكاتها الدبلوماسية لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، برز المغرب كنموذج لدولة استطاعت تحويل موقعها الجيوسياسي عند تقاطع أوروبا والبحر المتوسط وأفريقيا والمحيط الأطلسي إلى رافعة استراتيجية لتعزيز حضورها الخارجي.
ويشير التقرير إلى أن السياسة الخارجية المغربية قامت على مبدأ الاستمرارية الاستراتيجية مع القدرة على التكيف مع التحولات الدولية. فقد حافظت المملكة على ثوابتها الأساسية، وفي مقدمتها الدفاع عن الوحدة الترابية، وفي الوقت نفسه عملت على تنويع شراكاتها الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد.
ويعتبر التقرير أن قضية الصحراء المغربية تمثل الركيزة المركزية في العقيدة الدبلوماسية للمملكة، حيث أصبح مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007 أساساً للحل السياسي للنزاع.
ويرى أن هذا المقترح حظي بدعم دولي متزايد، إذ أعلنت أكثر من 120 دولة تأييدها له، كما افتتحت عدة دول قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، في خطوة تعكس اعترافاً عملياً بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
كما يشير التقرير إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي الأخيرة عززت هذا التوجه من خلال اعتماد مقاربة سياسية واقعية للحل، ما يمثل تحولاً مهماً في طريقة معالجة هذا الملف على المستوى الدولي.
ويبرز التقرير أيضاً أن المغرب نجح في تطوير دبلوماسية متعددة الأبعاد تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. فقد عزز علاقاته التاريخية مع الولايات المتحدة، التي تعد شريكاً استراتيجياً للمملكة منذ عقود، خاصة بعد توقيع اتفاقية التبادل الحر سنة 2006، كما وسع علاقاته مع قوى اقتصادية صاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
وفي المجال الأمني، يؤكد التقرير أن المغرب أصبح فاعلاً رئيسياً في مكافحة الإرهاب والتطرف، حيث يعتمد مقاربة شاملة تجمع بين العمل الأمني والإصلاح الديني والتنمية الاجتماعية.
كما شارك المغرب في عدة عمليات لحفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا، مساهماً بآلاف الجنود والكوادر الطبية في مهام إنسانية وأمنية.
ويضيف التقرير أن استقرار المؤسسات السياسية في المغرب وقدرته على إدارة التحولات الإقليمية، خاصة خلال موجة الربيع العربي سنة 2011، عززا صورة المملكة كشريك موثوق به في منطقة تعرف تقلبات سياسية وأمنية عديدة.
وفي الجانب الاقتصادي، ركز التقرير على الدور المتزايد للدبلوماسية الاقتصادية المغربية، حيث عملت المملكة على تحويل موقعها الجغرافي إلى منصة لوجستية تربط أوروبا بأفريقيا.
وقد ساهم تطوير البنية التحتية والموانئ الكبرى والمناطق الصناعية في جذب الاستثمارات الدولية وتعزيز مكانة المغرب كمركز اقتصادي إقليمي.
كما يبرز التقرير الأهمية المتزايدة للبعد الأفريقي في السياسة الخارجية المغربية، خاصة بعد عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017. فمن خلال التعاون الاقتصادي والاستثماري ومشاريع التنمية المشتركة، تمكنت المملكة من تعزيز حضورها داخل القارة وبناء شبكة واسعة من الشراكات.
ومن أبرز المشاريع الاستراتيجية التي أشار إليها التقرير مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب، الذي يهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي في المنطقة وربط أفريقيا بأوروبا عبر بنية تحتية ضخمة.
كما يعطي التقرير أهمية خاصة للمحيط الأطلسي في الرؤية الاستراتيجية المغربية، حيث أطلقت المملكة عدة مبادرات لتعزيز التعاون بين الدول الأفريقية المطلة على الأطلسي، إضافة إلى مبادرة تهدف إلى تمكين دول الساحل غير الساحلية من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية.
ولا يقتصر النفوذ المغربي على الجوانب السياسية والاقتصادية فقط، بل يمتد أيضاً إلى ما يعرف بالقوة الناعمة. فقد وظف المغرب الثقافة والدين والرياضة لتعزيز صورته الدولية.
وتلعب الدبلوماسية الدينية، القائمة على نشر نموذج الإسلام المعتدل وفق المذهب المالكي، دوراً مهماً في مكافحة التطرف وتعزيز الاستقرار في عدة دول أفريقية وأوروبية.
كما ساهمت الفعاليات الثقافية الكبرى والمتاحف الدولية والمهرجانات الفنية في إبراز الهوية الحضارية المتنوعة للمغرب. إضافة إلى ذلك، أصبحت الرياضة أداة مهمة لتعزيز صورة المملكة بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها المنتخبات المغربية في المنافسات الدولية.
وفي مجال السياحة، سجل المغرب نمواً ملحوظاً في عدد الزوار الدوليين، حيث استقبل نحو 20 مليون سائح في عام 2025، ما جعله الوجهة السياحية الأولى في أفريقيا.
ويخلص التقرير إلى أن المغرب استطاع خلال أكثر من ربع قرن بناء نموذج متكامل لقوة إقليمية صاعدة يعتمد على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والدبلوماسية النشطة.
ويرى أن المملكة نجحت في تحويل موقعها الجغرافي ومواردها الاستراتيجية إلى أدوات نفوذ، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية.
وبحسب التقرير، فإن هذا المسار يجعل المغرب مثالاً لدولة متوسطة الحجم قادرة على لعب دور مؤثر في النظام الدولي الجديد، عبر الجمع بين الواقعية السياسية والقوة الناعمة وبناء التحالفات، بما يسمح لها بتعزيز حضورها في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.


تعليقات الزوار ( 0 )