تنظم أكاديمية لحسن اليوسي، يوم الجمعة 26 من شهر دجنبر الجاري، ندوة علمية وطنية تحت عنوان “نحو رؤية مؤطرة للحقل الإعلامي بالمغرب”، وذلك بفندق الرباط ابتداء من الساعة الخامسة مساء، بمشاركة أكاديميين ومهنيين وخبراء في الإعلام والقانون والاتصال.
وتأتي هذه الندوة في سياق يتسم بتسارع التحولات الرقمية وتنامي التحديات التي تواجه الإعلام المغربي، سواء على مستوى الممارسة المهنية أو على مستوى الإطار القانوني والتنظيمي والاقتصادي. وينطلق المنظمون من قناعة مفادها أن الحقل الإعلامي يشكل مرآة عاكسة لتحولات المجتمع المغربي ورهاناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أنه فاعل مؤثر في تشكيل الرأي العام وتوجيه الوعي الجماعي.
وتهدف الندوة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لأوضاع الإعلام بالمغرب، وفتح نقاش عمومي مسؤول حول سبل تأطيره بما يضمن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية، وبين التعددية الشكلية والاستقلالية الفعلية، وبين التطور التكنولوجي وقدسية الخبر.
وتتناول الندوة في محورها الأول إشكالية التعددية الإعلامية، متسائلة عما إذا كان التعدد الكمي في وسائل الإعلام يعكس فعلا تنوعا حقيقيا في الخطاب والرأي، أم أنه يخفي واقعا تهيمن عليه تكتلات اقتصادية وسياسية تؤثر في القرار التحريري وتحول الفضاء الإعلامي إلى مجال للصراع على النفوذ.
كما يناقش المشاركون طبيعة ملكية وسائل الإعلام وتأثيرها على المضامين، وهيمنة الخطاب التجاري والإعلاني، إضافة إلى حدود وآفاق التنظيم الذاتي للمهنة.
أما المحور الثاني، فيركز على الإطار القانوني المنظم للصحافة والنشر، وخاصة القانون 88.13 ومشاريع تعديله، وما يثيره من جدل بين كونه ضامنا لحرية التعبير أو أداة لتقنينها وتقييدها. ويطرح هذا المحور أسئلة مرتبطة بمدى ملاءمة التشريعات الحالية للتحولات الرقمية، وبالتوازن بين حرية التعبير ومكافحة خطاب الكراهية والتضليل، فضلا عن دور الهيئات التنظيمية، وعلى رأسها المجلس الوطني للصحافة، في حماية استقلالية القطاع.
ويخصص المحور الثالث لإشكالية التمويل، حيث يتم التوقف عند آليات الدعم العمومي وما يثار حولها من تساؤلات تتعلق بالشفافية والعدالة والنجاعة، ومدى مساهمتها في تعزيز إعلام مهني مستقل أو تكريس التبعية وصحافة الرداءة. كما يناقش المشاركون نماذج تمويل بديلة ومستدامة، مثل الاشتراكات والتمويل الجماعي، وسبل تحصين القرار التحريري من ضغوط المعلنين والممولين.
أما المحور الرابع، فيتناول تحديات الأخلاقيات المهنية في ظل زحف الرقمي والذكاء الاصطناعي، وانتشار الأخبار الزائفة والخطابات الشعبوية، وما يترتب عن ذلك من تآكل الثقة في الإعلام. ويبحث هذا المحور في سبل تعزيز مصداقية الصحافة المهنية، وضبط استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، إلى جانب أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية في بناء وعي مجتمعي مقاوم للتضليل.
ويسعى منظمو الندوة إلى تشخيص دقيق للإشكاليات البنيوية والوظيفية التي تعيق تطور الحقل الإعلامي المغربي، وفتح نقاش جاد بين مختلف الفاعلين، بهدف بلورة رؤية شاملة ومقترحات عملية قابلة للتطبيق، تُرفع إلى الجهات المعنية، وترتكز على الاستقلالية والمصداقية والشفافية والمسؤولية الأخلاقية.
وتختتم الندوة بالتأكيد على أن الهدف ليس توجيه انتقادات مجردة، بل الانتقال من التشخيص إلى بناء رؤية استشرافية تؤسس لتوافق وطني حول إعلام ديمقراطي مستقل، يحترم التعددية الحقيقية، ويواكب الثورة التكنولوجية بأخلاق مهنية راسخة، ويساهم في تعزيز العقد الاجتماعي والتنمية الشاملة للمملكة المغربية.


تعليقات الزوار ( 0 )