نشرت صحيفة “لوموند” تحليلا مطوّلا للصحافي مصطفى كسوس تناول فيه ظاهرة الهجرة المتصاعدة لشباب الجزائر، كاشفاً ملامح أزمة عميقة يعيشها الجيل الجديد في بلد يعاني اختناقاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ووفق المنظمة الدولية للهجرة، فقد وصل أكثر من 54 ألف جزائري إلى أوروبا بين 2020 و2024، معظمهم إلى فرنسا، في موجة هروب لا تتوقّف تعكس انسداد الأفق داخل البلاد.
التحليل توقف عند المشاهد اليومية التي تغزو منصّات التواصل الاجتماعي، حيث يظهر الحراقة الجزائريون وهم يحتفلون باقترابهم من السواحل الإسبانية بعد رحلات محفوفة بالموت. وقد أثار وصول سبعة مراهقين إلى إيبيزا على متن قارب ترفيهي مسروق – بفرح موثّق على “تيك توك” – صدمة داخل الجزائر، لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً كبيراً: لماذا يهرب الشباب من بلد غني بالموارد ولكنه فقير في الأمل؟
بيانات فرونتيكس تشير إلى 8496 عبوراً غير قانوني لجزائريين فقط في الفترة ما بين يناير وأكتوبر، أي أكثر من نصف تدفقات الهجرة عبر “المسار الغربي للمتوسط”. وبذلك أصبحت الجنسية الجزائرية ضمن الخمس الأولى الأكثر تمثيلاً في الدخول غير الشرعي إلى أوروبا.
وتفسّر الوكالة الأوروبية هذا الارتفاع بكون تشديد المغرب مراقبته للهجرة دفع المهربين والمتطلعين للعبور إلى التحول نحو السواحل الجزائرية، خصوصا بعد التقارب المغربي–الإسباني الذي أدى إلى انخفاض كبير في الهجرة نحو جزر الكناري.
لكن السؤال الأعمق يظل: لماذا يغادر الجزائريون بلدهم رغم مخاطر البحر؟
الجواب، كما ينقل التحليل عن sociologues، يتمثّل في “الرغبة العميقة في الرحيل”. فالباحث الجزائري ناصر جابي يؤكد أن دوافع الهجرة لم تعد اقتصادية فقط، بل تحوّلت إلى بحث عن حياة يمكن فيها للفرد أن ينمو بحرية. أما الأكاديمي سعيد بلقيدوم فيعتبر أن الحراقة اليوم “ليسوا فقراء يبحثون عن لقمة العيش، بل مواطنين مكتملي الاندماج المهني والاجتماعي، يهربون من نظام فقدوا الثقة فيه”.
التحليل يرى أن 2019 كانت سنة مفصلية. فبعد أن أشعل الحراك الشعبي الأمل في تغيير جذري، جاء إحكام السلطة قبضتها بقيادة عبد المجيد تبون ليُحوّل حلم التغيير إلى سراب، ويطلق موجة هجرة غير مسبوقة. فبعد خمسة آلاف مهاجر سنة 2019، تضاعف العدد ثلاث مرات خلال العام الموالي.
ويرى حقوقيون جزائريون – بينهم المحامي عيسى رحمون – أن “فشل الحراك” وعودة السلطة إلى النهج القمعي عجّلا بانفجار ظاهرة الحراقة، في بلد تبلغ فيه بطالة الشباب نحو 30%.
ولا تخفي باريس قلقها، إذ إن 80% من المهاجرين الجزائريين في أوروبا يستقرون في فرنسا. ويتساءل مسؤولون فرنسيون إن كانت الجزائر تتساهل مع هذا النزيف البشري عمداً، لاستعماله كورقة ضغط سياسية، خصوصاً بعد تجدد التوتر بين باريس والجزائر عقب اعتراف ماكرون بالسيادة المغربية على الصحراء.
ورغم أن الجزائر تعلن رسمياً تجريم تهريب الحراقة، فإن التحليل يشير إلى أن السلطات تبدو كأنها “ترفع يدها” عن الظاهرة، بعدما أصبحت الهجرة غير الشرعية متنفّساً اجتماعياً لشباب فقد الثقة في مستقبل بلده.
ويخلص تقرير “لوموند” إلى أن موجات الهجرة تعكس أزمة أعمق بكثير: أزمة بلد يهرب شبابه منه ليس بحثاً عن المال، بل بحثاً عن حياة ممكنة، في ظل نظام سياسي عاجز عن تقديم أفق أو إصلاح حقيقي.



تعليقات الزوار ( 0 )