أخبار ساعة

22:44 - إسبانيا تسقط فرنسا بثنائية وتصعد إلى نهائي مونديال 202622:23 - الحصيلة التشريعية 2021-2026 بين التطورات القانونية والاختلالات السياسية22:07 - السفارة الأمريكية بالمغرب تربط إطلاق مركز “AMTEC” بتعزيز الأمن الإقليمي20:54 - التخطيط الاستراتيجي للقطاعات الحكومية..هل يفشل التنفيذ أم تفشل الاستراتيجيات؟20:22 - ترامب يتراجع عن فرض “رسوم حماية هرمز” ويتجه لإبرام اتفاقات استثمارية مع الخليج19:46 - حصيلة مشجعة وإكراهات تقنية تواجه عاما من تطبيق العقوبات البديلة18:40 - الوزيرة السغروشني تدعو من الرباط إلى تعزيز قيادة عمومية إفريقية تنبع من الواقع ومنفتحة على العالم18:26 - وهبي: خطتي ضد فرنسا فشلت وأتحمل مسؤولية غياب شخصية “الأسود”17:22 - لفتيت يطلق مشاورات انتخابات 2026 ويعيد تفعيل اللجنة المركزية17:00 - سجال داخل مجلس النواب بين الاتحاد الاشتراكي و”البام” بشأن التحركات الحزبية في الأقاليم الجنوبية
الرئيسية » مقالات الرأي » من النقد إلى الأزمة

من النقد إلى الأزمة

إنَّ الكتاب الذي أقدمه اليوم للقراء العرب دراسة فلسفية وتاريخية تركيبية تجمع بين جانبين رئيسيين: بين جانب يتعلق بتاريخ المفاهيم من جهة أولى والتاريخ الاجتماعي من جهة ثانية. استفاد كوزيليك في هذه الدراسة بشكلٍ ملموس من السنوات التي قضاها بين سنتي 1972 و1997 (في إطار فريق بحث متكامل) في دراسة المفاهيم التاريخية والاجتماعية التي ظهرت بين سنتي 1850 و1750. وتمَّ توثيق ثمرات تاريخ المصطلح في إخراج ستة مجلدات، لمداخل معجمية كانت تقارب أحيانًا مئة صفحة للمَدخل الواحد.

أوضح أمرين هنا: الهدف هو دراسة تاريخ المفاهيم، بفضل تقديم المعجم التاريخي للمصطلح والطريقة هي البحث متعدد التخصصات. تدخل الدراسة بهذا المعنى في مجال علم المصطلح؛ وهو موضوع اصطلاحات الفنون المألوف في النصوص العربية القديمة. غير أنَّ خصوصيّة المدرسة الألمانيّة تظهر في أمرين:

1. هي أنّها كانت تفحص التحوُّل الدّلالي الذي طرأ على المصطلحات في ضوء المنشورات الفلسفية والتاريخية والخطب السياسية والمنظومات القانونية والإصلاحات الدينية؛ كما اعتمد كوزيليك أدوات الهيرمينوطيقا التي تبلورت مع بلومينبيرغ وغادامير وإيزر وياوس وغيرهم.

2. وهي أنَّ المدرسة الألمانية تقرن علم المصطلح بتحوُّل المصطلح، بناءً على وجود علم خاصٍّ يتعلق بعلم تحوَّل اللغة Sprachwandel، مع رائده هيرمان بول. إذن يوجد معطى عامّ يتعلق بدراسة اللغة عبر تاريخها، بدل تحنيطها في قوالب بنيويّة جامدة. ويؤدّي تحوُّل اللغة إلى تحوُّل الفكر، في إطار التحوُّلات الاجتماعية والمنعطفات التاريخية.

ليس المهمُّ دومًا هو تعريف المصطلح، ولكن تذييل المصطلح. ليس المهم هو أن يصدر القاضي الحكم، بل أن يقوم بتذييله؛ وليس المهم هو أن يقوم البرلمان بالتصويت على مشروع قانون بل هو مناقشة التصويت. الأحكام القضائية والتعريفات والتصويت على القوانين تخضع لمساطر محدّدة سلفًا، على خلاف الحاجة إلى إعمال أوجه الحجاج القانونية والفلسفية لمناقشة التصويت وتعليل الحكم القضائي وشرح التعريفات. يعود الجميع إلى مصادر القانون، لكن المصدر ليس هو الحكم. المصدر واحد والحكم متعدّدٌ في الزمان، في مراحل التقاضي المتعاقبة، واختلاف المصالح بين أطراف التقاضي.

لا يبحث القاضي عن الحقيقة الجنائية، بل يحكم لمصلحة هذا أو ذاك، وفق الأدلة الثابتة. هل نقول ذات الشيء بشأن المؤرخ؟ أيفهم التاريخ في ضوء المصالح أم في ضوء الحقائق؟ اقترن علم التاريخ لدى كوزيليك بالإحراج Dilemma الذي تواجهه نظرية المعرفة التاريخية؛ يتحدث كل واحد منا في مذكراته عن التاريخ “كما كان”؛ أو “هكذا كان”، وندّعي عدمَ التحيُّز، وكأننا أبناء لوكيان وشيشيرون. إذ هناك من يدّعي، سذاجةً منه وليس لومًا، أنه يكتب التاريخ بموضوعيّة لا تحَيُّزَ فيها. وحتى ولو جاز الادّعاء، لا ينكر أحد، كما قال كوزيليك أنَّ “الموضوعية والتحيز يحيلان على بعضهما بعض خلال إنجاز العمل التاريخي.” (ص. 254).

وقد ظل المؤرخ رانك Ranke يدافع خلال القرن التاسع عشر عن وجوب الكشف عن الحقيقة العارية كما هي؛ وتحول وهمُ الموضوعية التاريخية في نظر بلومينبيرغ إلى فكرة تنويرية مضادة لاتّجاه التاريخ anachronique، مع أنَّ كلادينيوس (1710ــ1759) قد أعطى الأولوية للتحيز والتحزب، وهو ما أشار إليه بيتر زوندي Szondi : Introduction à l’herméneutique littéraire وكوزيليك في هذا الكتاب.

ما معنى غياب الموضوعيّة في علم التاريخ؟من الزاوية المنطقية، الموضوعية والتحيز مفهومان متضايفان corrélatifs؛ كما أنه لا وجود لزوج دون زوج آخر، لا وجود لتحيز دون موضوعية ولا لموضوعية دون تحيز. يظلُّ كوزليك مؤرّخًا يتوخى ضبط آليات المعرفة العلمية التاريخية؛ لكنَّ المعطيات المادية لم تعد جامدةً جماد العالم القديم؛ لم يعد الزمان مرتبطًا بالحركة الكاملة والأزلية التي تقوم بها الأجرام السماوية. بل أصبح الزمن مقترنا بحركة مستقيمة في اتجاه المستقبل واًصبح الزمن مقترنا بمجال التجربة وأفق التوقع ومتجسدًا في التاريخ الذي لا يستعرض الأحداث بل يصنعها.

انتهى الزمن الدوري، ولا تعود الأيام بصورة دورية وفق آجال معلومة، بل أصبحنا فجأة أمام زمن مفتوح على كلِّ الاتجاهات، بعد سقوط حركة الأجرام السرمدية. ولا يعني التحيز الانطلاق من أحكام ذاتية فقط، بل أصبح يعني ظهور منظورات طوباوية لامتناهية إلى المستقبل، في تنكُّر شامل لكلّ أمجاد الماضي، وهذا ما خلق أزمة الوعي الحديث.ذهب ذلك العهد الذي اعتبر فيه شيشيرون أن التاريخ معلم الحياة وأنَّ الخطيب قادر على خلع الخلود على التاريخ وعلى ضرب الأمثلة واستخلاص العبر.أصبح الماضي مقبرة كلِ الأحلام التاريخية، دون أن يظهر مستقبل واضح المعالم.

هذه هي أزمة الفكر الحديث. أصبح الفلاسفة طوباويين وعدميين ومتمردين على سلطة الدولة، كما تمردوا من قبل على سلطة الكنيسة. تظهر الملامح المتشائمة بشكل واضح لدى كوزيليك؛ ذلك أنَّ الحداثة خلقت أحلاما طوباوية لم تظهر بوجه مكشوف إلا نتيجة اعتماد خطتين اجتماعية وفلسفية، وهما التحكم في المستقبل المجهول بواسطة ابتكار نظريات التوقع في الرياضيات الاجتماعية وحساب الاحتمالات، مع كوندورسيه. الخطة الثانية هي ابتكار فلسفة التاريخ من أجل خلع معنى على مسار التاريخ الذي لم يعد له معنى، بعدما سقطت الحركة الدورية الخلدونية.

يجوز لنا أن نربط تشاؤم كوزيليك بتشاؤم ماك إنتاير MacIntyre ، في كتاب ما بعد الفضيلة، حيث زعم أن فلاسفة العصر الحديث حوّلوا التاريخ إلى أشلاء، ولم يستطيعوا تقديم بديل للحطام الذي تركوه خلفهم. هذا ما يمكن أن نستشفه من أطروحة كوزيليك الأولى في كتاب الأزمة والنقد. شخصيًّا، أعتقد أنَّنا نعيش جزءًا كبيرًا من هذه الأزمات التي تبرز وجود شرخ كبير يفصل الأخلاق الاجتماعية عن أخلاق الضمير ويفصل الدولة عن المثقف ويفصل التمرُّد عن الانصياع ويفصل الثورة عن الإصلاح. المشكلة الكبرى هي أنَّ النقد الجذريَّ مهم، لكنّه لا يعطي معنى لأيِّ قرار ــ ما عدا إذا ما قبلنا تصور كارل شميت ــ كما أنَّ الأزمة تخلق شعورًا عامًّا بغياب الأمان. غادر النقد مجال الضمير الفردي والحياة الباطنية، وحمل لواء الطموح الطوباوي نحو عالم أفضل. هذا هو بالضبط ما يميّز كوزيليك عن هابرماس الذي أراد تجنُّب الطوباوية ووقع فيما هو شرٌّ منها. وهذا موضوع آخر.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الحصيلة التشريعية 2021-2026 بين التطورات القانونية والاختلالات السياسية

14 يوليو 2026 - 10:23 م

عقد مجلس المستشارين يوم الاثنين 13 يوليوز 2026 جلستين عامتين: الأولى تشريعية للتصويت على النصوص القانونية الجاهزة، والثانية خصصت لاختتام

الفساد الإداري في مناقشة الأطروحات: حين تتحول الخبرة العلمية إلى مجاملة مصلحية

14 يوليو 2026 - 1:44 ص

لم تعد بعض مظاهر الفساد داخل الجامعة مرتبطة فقط بالتوظيف أو المباريات أو تدبير الموارد، بل امتدت أحياناً إلى فضاءات

المغرب نحو 2030: حين تتحول المفاجأة إلى مشروع دولة

13 يوليو 2026 - 11:11 ص

انتهى مونديال 2026، وبقي السؤال الذي يهم الأمم أكثر من سؤال الفوز والخسارة: ماذا بعد؟ فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بما

كيف يفكر “الطريق الرابع” في الدولة في زمن التحديات والتحولات؟

13 يوليو 2026 - 11:08 ص

هذا مجرد جواب مختصر عن سؤال واحد من بين عشرات الأسئلة التي أتلقاها من أصدقاء وفاعلين يرغبون في فهم رؤية

امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي

12 يوليو 2026 - 10:01 م

الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح  تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°