أخبار ساعة

16:13 - هل أطاح مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز بخطة خلافة “بن بطوش” داخل البوليساريو؟15:59 - إيران تعلن وقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل وتتوعد برد أشد في حال تجدد الهجمات15:41 - مصدر من الجالية: افتتاح الوكالة البنكية كان مبادرة اقتصادية مستقلة والقنصلية في تاراغونا حضرت بصفة رسمية15:07 - أطباء العيون يدقون ناقوس الخطر بشأن اختلالات تهدد جودة العلاج بالمغرب14:36 - الكاف: المغرب يدخل مونديال 2026 بطموح كتابة فصل جديد من التاريخ بعد إنجاز قطر13:28 - محددات التصويت النسائي بالمغرب بين الدوافع النفسية والدينية والخصوصيات الاقليمية13:15 - “لقاء سرّي” بين بنعبد الله وبرلماني تجمّعي يبعثر الخريطة السياسية بسيدي قاسم12:39 - بورصة الدار البيضاء تستهل تداولات الأسبوع على انخفاض وتراجع مؤشر “مازي” بأكثر من 1%12:04 - وزارة التربية تكشف حصيلة “باك 2026”.. أكثر من 464 ألف مترشح وارتفاع مقلق في حالات الغش11:15 - لماذا أصبح كبار السن والمرضى آخر من يجد مقعدا في حافلات النقل الحضري؟
الرئيسية » مقالات الرأي » محددات التصويت النسائي بالمغرب بين الدوافع النفسية والدينية والخصوصيات الاقليمية

محددات التصويت النسائي بالمغرب بين الدوافع النفسية والدينية والخصوصيات الاقليمية

حصلت المرأة المغربية على حق التصويت والترشح بعد الاستقلال، وبدأ حضورها السياسي يتوسع تدريجياً، خاصة منذ التسعينيات من القرن 20 مع صعود الحركة النسائية والإصلاحات القانونية والسياسية. وقد كان تصويت عدد من النساء في العقود الثلاثة الأولى التي أعقبت استقلال المملكة، خصوصاً في العالم القروي، يتأثر كثيراً: بالعائلة، أو الزوج، أو الأعيان المحليين، أو التوجيهات الاجتماعية التقليدية. لكن مع ارتفاع نسبة التمدن والتعليم وخروج النساء إلى سوق العمل، تطور هذا السلوك بشكل ملحوظ، وأصبحت فئات واسعة من النساء تصوت وفق قناعاتها السياسية أو الاجتماعية الخاصة. حيث يرى بعض الباحثين أن تصويت المرأة المغربية يكتسي أحياناً طابعاً مميزاً في عدة جوانب: اهتمام أكبر بالقضايا الاجتماعية والمعيشية: مثل التعليم، والصحة، ومستوى الأسعار خاصة المواد الغذائية، والحماية الاجتماعية، والاستقرار القيمي الأسري. غير أن هذا لا ينفي أن تصويت المرأة في الانتخابات يكتسي طابعا خاصا أو مميزا بالمغرب، حيث ينظر إلى تصويت المرأة في المغرب باعتباره يحمل بعض الخصوصيات الاجتماعية والسياسية، لكن دون وجود تصويت نسائي موحد بمعناه الكامل. فالسلوك الانتخابي للنساء بالمملكة يختلف بحسب الوسط القروي أو الحضري، والمستوى التعليمي، والسن، والوضع الاقتصادي للنساء ، ومدى الانخراط في الحياة العامة بالإضافة إلى الدوافع النفسية والعاطفية .

-الخصوصيات الإقليمية للتصويت النسائي بالمغرب

يمكن القول بأن تنوع المجتمع المغربي في مكوناته الطبيعية والمجالية والتنموية ، أضفى خصوصية في تصويت النساء بالمغرب ترتبط بالأساس بخصوصية المناطق الفكرية والجهوية والطبيعية. حيث توجد خصوصيات في تصويت النساء بالمغرب تختلف بحسب المناطق الجغرافية والثقافية والاجتماعية. فالسلوك الانتخابي النسائي لا يتشكل في فراغ، بل يتأثر بطبيعة البيئة المحلية، والبنية العائلية، ومستوى التعليم، والاقتصاد، والثقافة السياسية السائدة. ولهذا يمكن الحديث عن “جغرافيات نسائية للتصويت” داخل المغرب، دون اعتبار أن النساء يشكلن كتلة انتخابية موحدة:

1- المدن الكبرى والتصويت البرجماتي ، حيث في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة…، تميل شريحة من النساء، خاصة المتعلمات والشابات، إلى التصويت بناء على صورة الحزب، والبرامج الاجتماعية، وقضايا التعليم والشغل، وتمثيلية النساء. كما يظهر اهتمام أكبر بقضايا النقل، والأمن، غلاء المعيشة، ومستوى الخدمات الصحية، وفرص العمل.

2. المناطق القروية و قوة الروابط العائلية والوساطة ، حيث يتأثر تصويت النساء أكثر بـ : العائلة، خاصة الزوج أو الأب، أوالأعيان المحليين، وشبكات الزبونية والخدمات. ففي بعض المناطق، قد يكون التصويت النسائي جزءا من “تصويت جماعي” للأسرة أو الدوار، أكثر منه اختيارا فرديا مستقلا. لكن هذا لا يعني غياب الفاعلية، فالنساء القرويات يملكن أحيانا تأثيرا كبيرا داخل الأسر وفي توجيه المزاج الانتخابي المحلي.

3. المناطق الأمازيغية والجبلية و حضور البعد الجماعي حيث في مناطق مثل الأطلس المتوسط أو سوس، يلعب الانتماء المحلي والروابط الاجتماعية دورا مهما في تصويت النساء. كما أن استعمال اللغة الأمازيغية والقرب الثقافي من المرشح أو المرشحة قد يؤثر في الثقة والتواصل السياسي. ففي بعض المناطق، تتمتع النساء بحضور قوي داخل شبكات التضامن التقليدية والجمعيات المحلية، ما يمنحهن دورا مؤثرا في التعبئة الانتخابية.

4- المناطق المحافظة دينيا و أثر القيم الأخلاقية حيث تتجه النساء في هذه المناطق إلى التصويت للأحزاب التي تقدم نفسها باعتبارها مدافعة عن القيم الأسرية، أو قريبة من المرجعية الدينية، أو محافظة أخلاقيا.

وقد ظهر هذا نسبيا خلال صعود عبد الإله ابن كيران وحزب حزب العدالة والتنمية، حيث لعب الخطاب الأخلاقي والقرب الشعبي دورا في استقطاب جزء من النساء. خاصة في المناطق الفقيرة أو المهمشة، حيث يرتبط التصويت النسائي أكثر بـ: المساعدات الاجتماعية، والوعود بالخدمات، وكذا القرب من المنتخب، أو القدرة على حل المشاكل اليومية.

وهنا يصبح البعد المعيشي أقوى من النقاشات الإيديولوجية ، حيث هناك حساسية تجاه الخطاب الأخلاقي .وهو ما استفادت منه أحزاب ذات خطاب محافظ أو اجتماعي في استحقاقات انتخابية معينة، مثل حزب العدالة والتنمية خلال انتخابات 2011 و2016.

5- الأقاليم الصحراوية والتضامن القبلي حيث يكتسي تصويت المرأة للمرأة في الأقاليم الصحراوية المغربية بعض الخصوصيات المرتبطة بالبنية القبلية، والمكانة الاجتماعية للمرأة الصحراوية، وطبيعة العلاقات العائلية وشبكات النفوذ المحلية. لذلك فهو يختلف جزئيا عن أنماط التصويت النسائي في مدن أو مناطق أخرى من المغرب. فمن أبرز هذه الخصوصيات:

* قوة البعد العائلي والقبلي حيث ما يزال الانتماء القبلي والعائلي في الأقاليم الصحراوية، مؤثرا بقوة في السلوك الانتخابي، سواء لدى الرجال أو النساء. فالناخبة قد تصوت لمرشحة لأنها تنتمي لنفس القبيلة، أو لعائلة ذات نفوذ، أو حفاظا على توازنات اجتماعية محلية. وهنا يصبح “الانتماء الجماعي” أحيانا أقوى من فكرة التضامن النسائي وحدها.

* المكانة التقليدية للمرأة الصحراوية حيث تتمتع المرأة الصحراوية تاريخيا بحضور اجتماعي أقوى نسبيا مقارنة ببعض البيئات المحافظة الأخرى بالمغرب، سواء داخل الأسرة أو في تدبير العلاقات الاجتماعية. وهذا يمنح بعض المرشحات قدرة على بناء نفوذ انتخابي مباشر، خصوصا عبر شبكات النساء، و الزيارات العائلية، والمناسبات الاجتماعية، والجمعيات المحلية. لذلك قد يكون تقبل الناخبات لقيادة امرأة أعلى نسبيا في بعض المناطق الصحراوية.
* تأثير “الوجاهة الاجتماعية” ففي الانتخابات الصحراوية، الصورة الاجتماعية للمرشحة مهمة جدا كسمعة العائلة، وعلاقات الكرم، والقدرة على الوساطة، والحضور في المناسبات الاجتماعية، والعلاقات مع الأعيان والسلطات. فالناخبة قد تمنح صوتها لامرأة ترى فيها “سيدة ذات مكانة” قادرة على تمثيل القبيلة أو المنطقة.

* التصويت الشبكي أكثر من التصويت الإيديولوجي ، ففي كثير من الدوائر الصحراوية، فالتصويت لا يقوم أساسا على البرامج أو الخطابات الفكرية، بل على شبكات العلاقات والوساطة والخدمات. لذلك فإن نجاح المرشحة يعتمد غالبا على: قوة شبكتها العائلية، ودعم الأعيان، وعلاقتها بالفاعلين المحليين، وقدرتها على الحشد النسائي.

* قوة التعبئة الانتخابية فالنساء في الأقاليم الصحراوية يلعبن دورا مهما في التعبئة الانتخابية داخل الأسر والقبائل، وأحيانا يؤثرن في توجيه التصويت الجماعي، خاصة في الانتخابات المحلية. وقد تستفيد المرشحات من هذا النفوذ النسائي غير الرسمي.

وبالتالي ، فرغم حضور المرأة في المجال الانتخابي ، فإن التصويت للمرأة في الأقاليم الصحراوية لا ينبني غالبا على خطاب نسوي أو مطالب جندرية فقط، بل يبقى مرتبطا أكثر بـ التوازنات القبلية، والولاءات المحلية، و المصالح الاجتماعية، وشبكات النفوذ. أي أن المرأة قد تصوت لامرأة لأنها تمثل قبيلتها أو شبكتها الاجتماعية، وليس فقط لأنها “امرأة مثلها”. لكن مع توسع التعليم، وارتفاع حضور النساء في الإدارة والجماعات الترابية، بدأت تظهر فئة من الناخبات الشابات أكثر اهتماما بالكفاءة والصورة الحديثة للمرأة القيادية، خاصة في مدن مثل العيون والداخلة. لذلك فخصوصية تصويت المرأة على المرأة في الأقاليم الصحراوية تكمن في التداخل بين المكانة التقليدية القوية نسبيا للمرأة، والبنية القبلية، وشبكات النفوذ المحلية، مع بروز تدريجي لمنطق الكفاءة والتمثيل الحديث لدى الأجيال الجديدة.

-محددات التصويت النسائي بالمغرب

إن تصويت النساء للنساء في الانتخابات بالمغرب لا تحكمه فقط البرامج السياسية أو الانتماءات الحزبية، بل يتأثر أيضا بمجموعة من المحددات النفسية والعاطفية والاجتماعية التي قد تدفع الناخبات إلى دعم مرشحة من “بنات جنسهن” أو بالعكس إلى عدم منحها الثقة. وهذه المحددات تختلف بين الوسط الحضري والقروي، وبين الأجيال والمستويات التعليمية.

* المحددات النفسية والعاطفية من أبرز هذه المحددات:

1. الشعور بالتمثيل والهوية المشتركة حيث أن بعض الناخبات يشعرن أن المرأة المرشحة أقرب إلى فهم مشاكلهن اليومية. فيتولد لديهن نوع من “التضامن الجندري” أو الإحساس بأن وصول امرأة إلى موقع القرار هو انتصار رمزي للنساء عموما، خصوصا بعد توسع حضور النساء في المؤسسات منذ اعتماد نظام الكوطا بالمغرب.

2. البعد العاطفي والرمزي حيث ينظر أحيانا إلى المرشحة باعتبارها امرأة كافحت،أو “بنت الشعب”،

أو أماً قريبة من هموم الأسر. وهذا البعد العاطفي قد يكون مؤثرا أكثر في الانتخابات المحلية والقروية حيث تلعب الصورة الشخصية والعلاقات المباشرة دورا كبيرا.

3. الثقة النفسية في “المرأة الأقل فسادا” حيث يوجد لدى بعض الناخبين وبالأخص الناخبات تصور نفسي بأن النساء يعتبرن أكثر هدوءا، وأقل ميلا للصراعات، وأكثر اهتماما بالقضايا الاجتماعية. ورغم أن هذا التصور ليس قاعدة علمية ثابتة، فإنه يؤثر على السلوك الانتخابي لبعض الفئات التي ترى في المرأة “وجها أخلاقيا” للحياة السياسية في المغرب .

4- التنشئة الاجتماعية ، حيث تدفع بعض الدوافع النفسية والثقافية نساءً إلى عدم التصويت لامرأة، بسبب ترسخ صورة القيادة الذكورية، أو الاعتقاد بأن السياسة “مجال رجال”، أو الخوف من ضعف قدرة المرأة على مواجهة شبكات النفوذ.وهذا يظهر أكثر لدى بعض الأجيال المحافظة أو في بعض الأوساط القروية التقليدية.

5. تأثير القرب الشخصي والعلاقات الاجتماعية ففي المغرب، للعلاقات الإنسانية كالانتماء العائلي والقرابة، وعلاقات الجيرة، ، تأثير قوي خاصة في الانتخابات الجماعية المحلية. فالمرأة المرشحة التي تنجح في بناء علاقات وجدانية واجتماعية قوية مع النساء قد تحصد دعما مهما حتى دون برنامج سياسي مفصل.

6. صورة المرأة الناجحة حيث أن وجود نماذج نسائية بارزة في السياسة أو الإدارة يعزز لدى بعض الناخبات شعورا بالفخر والإمكان مثل تجربة نوال المتوكل أو امباركة بوعيدة أو فاطمة الزهراء المنصوري، حيث تصبح المرأة الناجحة رمزا لقدرة النساء على القيادة.

7. العامل العاطفي المرتبط بالكرامة والاعتراف حيث أن بعض النساء يصوتن لمرشحة بدافع الرغبة في إثبات حضور المرأة، وكسر التهميش، أو توجيه رسالة رمزية للمجتمع حول مكانة النساء.وهنا يتحول التصويت من اختيار سياسي فقط إلى فعل نفسي رمزي مرتبط بالاعتراف والكرامة.

8- الغيرة بين النساء (أو ما ينعت بسم العيالات ) حيث يمكن أن تلعب الغيرة الاجتماعية أو التنافس بين النساء دورا محدودا أحيانا في بعض السلوكات الانتخابية النسائية . لكن اختزال تصويت النساء المغربيات تجاه المرشحات في فكرة “سم العيالات” سيكون تبسيطا نمطيا وغير دقيق سوسيولوجيا.ففي الواقع، ما يُفسَر شعبيا بالغيرة قد يكون في كثير من الأحيان مرتبطا بعوامل أعمق، مثل: التنافس الاجتماعي داخل الحي أو العائلة، أو الصراع حول المكانة والنفوذ المحلي، أو عدم الثقة في قدرة المرشحة أو في محيطها السياسي.

وفي بعض البيئات المحلية، خاصة في الانتخابات الجماعية والقروية، قد تظهر حساسيات شخصية بين النساء: فامرأة نجحت اجتماعيا أو سياسيا، أو تنتمي لعائلة نافذة، أو تحظى بحضور قوي داخل الجمعيات أو شبكات النفوذ، قد تواجه رفضا من نساء أخريات بدافع التنافس الرمزي أو الاجتماعي، وليس فقط بسبب برنامجها السياسي. كما أن بعض الدراسات حول السلوك الانتخابي تشير إلى أن المرأة لا تصوت تلقائيا لامرأة فقط لأنها من نفس الجنس. فالناخبة قد تسأل: هل هذه المرشحة قريبة من الناس؟هل تمثلني فعلا؟ هل ستخدم الحي أو الدوار؟هل فُرضت من الحزب أو العائلة؟ هل تملك شخصية قوية؟.وفي أحيان أخرى، قد تكون المرأة أشد نقدا لامرأة أخرى لأن المجتمع نفسه يفرض على النساء معايير قاسية في الحكم على السلوك والمظهر والنجاح. وهذا ليس خاصا بالمغرب فقط. لكن بالمقابل، توجد أيضا حالات كثيرة من التضامن النسائي والدعم المتبادل، خصوصا داخل التعاونيات والجمعيات النسائية، وبين الشابات المتعلمات، وفي الأوساط التي ترى في وصول النساء للسياسة شكلا من أشكال التمكين والاعتراف.

وبالتالي ، ورغم كل هذه الدوافع النفسية والعاطفية التي توجه السلوك الانتخابي للمرأة ، الا أنه لا يمكن اختزال تصويت النساء في “التضامن النسائي” فقط، لأن الناخبات المغربيات خاصة من فئات متعلمة أو مثقفة قد يصوتن أيضا بناء على الانتماء الحزبي، والمصالح المحلية، والزبونية الانتخابية، والمكانة الاجتماعية للمرشح، بالإضافة إلى الاعتبارات الاقتصادية والعائلية. لذلك يبقى العامل النفسي والعاطفي مؤثرا، لكنه يشتغل داخل شبكة أوسع من المحددات الاجتماعية والسياسية والثقافية. فالأدق علميا هو القول إن تصويت النساء للنساء في المغرب يتأثر أحيانا بالتنافس الاجتماعي والعلاقات الشخصية والصور النمطية المتبادلة، لكنه لا يمكن تفسيره فقط بمنطق “الغيرة” أو “سم العيالات”، لأن هذا التعبير الشعبي يحمل أحكاما ثقافية جاهزة أكثر مما يقدم تفسيرا سياسيا دقيقا.غير أن هذا المعطى النفسي قد يوظف من طرف بعض الأحزاب أو الفاعلين السياسيين الذين يستفيدون أحيانا، بشكل مباشر أو غير مباشر، من التنافسات والصور النمطية بين النساء لتبرير استمرار الهيمنة الذكورية داخل القيادات الحزبية، لكن الأمر لا يكون دائما عبر سياسة معلنة، بل غالبا عبر ممارسات وثقافة تنظيمية متجذرة. ففي عدد من الأحزاب المغربية، ظلت القيادة السياسية والتدبير الفعلي للقرار الحزبي متمركزين تاريخيا بيد الرجال، بينما يُسمح للنساء غالبا بحضور رمزي أو محدود، خصوصا خارج آليات الكوطا. وعندما تفشل تجربة امرأة مرشحة أو تقع صراعات بين قيادات نسائية، قد يتم تضخيم ذلك داخل الخطاب الحزبي أو القواعد التنظيمية باعتباره “دليلا” على صعوبة قيادة النساء، بينما تُعتبر الصراعات بين الرجال أمرا عاديا في السياسة. ومن آليات التوظيف غير المباشر تشجيع التنافس بين القيادات النسائية بدل بناء شبكات دعم نسائي داخل الحزب.وتقديم عدد محدود من النساء للمناصب، مما يحول التنافس بينهن إلى صراع على “مقعد نادر”. و استعمال بعض النساء المقربات من القيادة لتجميل صورة الحزب دون تمكين حقيقي. كما يتم في بعض الحالات توظيف الثقافة الاجتماعية المحافظة نفسها لتبرير استمرار القيادة الذكورية، عبر أفكار مثل:”الناخب لا يثق بسهولة في المرأة” أو “المرأة لا تستطيع تدبير المعارك الانتخابية القاسية”، أو “الرجال أقدر على التحكم في الشبكات الانتخابية المحلية”. لذلك فالعلاقة بين التنافس النسائي والهيمنة الذكورية الحزبية موجودة أحيانا، لكن تفسيرها يحتاج إلى ربطها بالبنية العامة للسلطة داخل الأحزاب المغربية، وليس فقط بالعلاقات بين النساء أنفسهن.

-العزوف النسائي عن التصويت

من الصعب علميا القول بشكل مطلق إن عزوف النساء عن التصويت في المغرب يفوق دائما عزوف الرجال، لأن النسب تختلف بحسب: نوع الانتخابات، والجهات، والفئات العمرية، ومستوى التعليم، وطبيعة التعبئة السياسية. لكن عموما، أظهرت محطات انتخابية ودراسات ميدانية أن النساء، خصوصا في بعض الفئات القروية والهشة، قد يكن أكثر عرضة للعزوف أو للمشاركة المحدودة مقارنة ببعض فئات الرجال، وإن كانت الفوارق ليست ثابتة دائما. حيث ترتفع نسب العزوف لدى بعض شرائح من النساء بسبب عدة عوامل من أهمها :
– ضعف الثقة في جدوى الانتخابات ، حيث تعتبر بعض النساء، خاصة في الأوساط الفقيرة أو المهمشة، أن الانتخابات لا تغير أوضاعهن اليومية: فغلاء المعيشة، و البطالة،و ضعف الخدمات، و مشاكل الصحة والتعليم. يؤدي إلى إضعاف حافزهن للمشاركة.

– تأثير الثقافة التقليدية حيث في بعض البيئات العائلية ، ما تزال السياسة تُعتبر “شأنا رجاليا”، مما يؤدي إلى ضعف الاهتمام بالشأن الحزبي، أو التبعية لتوجيه الأسرة،أو عدم الشعور بالقدرة على التأثير.

ــ الأمية والهشاشة التعليمية حيث ترتبط المشاركة السياسية غالبا بمستوى التعليم والاطلاع. ولذلك فإن النساء الأكثر هشاشة تعليميا يكن أحيانا أقل انخراطا في العملية الانتخابية.

– الأعباء اليومية فالنساء، خصوصا في العالم القروي أو الأحياء الشعبية، يتحملن أعباء: رعاية الأسرة،

ـ العمل المنزلي، أو العمل غير المهيكل، مما قد يقلل اهتمامهن بالمشاركة السياسية المباشرة.

غير أنه مقابل هذا العزوف النسائي ، فقد شهد المغرب ارتفاعا ملحوظا في حضور النساء انتخابيا خلال العقود الأخيرة من خلال ارتفاع نسب تسجيل النساء، وتوسع مشاركة النساء الحضريات، وبروز نساء شابات أكثر اهتماما بالشأن العام، و تنامي دور الجمعيات النسائية والتوعية المدنية. فقد لوحظ في بعض المدن أو الفئات العمرية الشابة، تكون النساء أكثر انضباطا في التصويت من الرجال. كما أن النساء يشكلن خزانا انتخابيا مهما للأحزاب، لذلك تكثف الأحزاب حملاتها الموجهة للنساء، خاصة عبر: شبكات القرب، و الجمعيات، واللقاءات المحلية، والخطاب الاجتماعي والأسري. وبالتالي فالعزوف النسائي لا يمكن اعتباره فقط “انسحابا” ، بل قد يكون أحيانا يكون عزوف النساء شكلا من أشكال الاحتجاج الصامت، أو فقدان الثقة، أو الشعور بعدم التمثيل. أي أن عدم التصويت قد يعكس موقفا سياسيا ضمنيا، وليس مجرد لا مبالاة سياسية. فعزوف النساء بالمغرب يتفاوت حسب الفئات والمناطق، ولا يفوق دائما عزوف الرجال، لكنه يتأثر أكثر بعوامل: الهشاشة الاجتماعية، والثقافة التقليدية، ومستوى التمكين السياسي والتعليمي للنساء.

-تأثير الخطاب الديني في التصويت النسائي

يمكن القول إن الخطاب الديني يؤثر في جزء من النساء الناخبات بالمغرب، كما يؤثر أيضا في جزء من الرجال. فمن المهم الانتباه إلى أن الرجال بدورهم يتأثرون بقوة بالخطاب الديني والرمزي، خصوصا في المجتمعات المحافظة. لذلك فربط التأثر الديني بالنساء وحدهن والجزم بأن النساء يتأثرن به أكثر بشكل مطلق سيكون تبسيطا غير دقيق. لأن التأثير يختلف حسب: السن، ومستوى التعليم، و الوسط الحضري أو القروي، والوضع الاجتماعي، وطبيعة الخطاب الديني نفسه. ومع ذلك، أظهرت بعض الدراسات حول السلوك الانتخابي بالمغرب أن الخطاب الديني والأخلاقي كان له وقع مهم لدى فئات من النساء، خاصة خلال صعود حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2011 و2016. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:

– البعد الأخلاقي والأسري حيث كثير من النساء يهتممن بخطابات الاستقرار الأسري، و التربية، والأخلاق العامة، و محاربة الفساد، وحماية القيم الاجتماعية. وعندما يُقدم الخطاب الديني باعتباره خطابا أخلاقيا وقريبا من الحياة اليومية، فإنه قد يلقى صدى لدى بعض الناخبات.

– الثقة في صورة النزاهة الحزبية ، حيث خلال فترات معينة، ارتبطت الأحزاب ذات المرجعية الدينية لدى جزء من الناخبين، نساء ورجالا، بصورة: النظافة السياسية، والتقشف، والقرب من الناس. وقد استفادت شخصيات مثل عبد الإله ابن كيران من هذا البعد الشعبي والعاطفي.

– تأثير شبكات القرب النسائية حيث أن الخطاب الديني ينتشر عبر: الجمعيات، وحلقات الوعظ، و العلاقات الأسرية، و شبكات النساء داخل الأحياء. مما يمنحه قدرة على التأثير في النساء في بعض البيئات المحافظة أو الشعبية.
– البحث عن الطمأنينة والاستقرار ففي فترات القلق الاجتماعي أو الاقتصادي، قد تميل بعض الناخبات إلى الخطابات التي تقدم نفسها باعتبارها مدافعة عن الاستقرار، أو مرتبطة بالقيم الدينية والأخلاقية، لأنها تمنح شعورا بالأمان الرمزي.

– توظيف بعض الأحزاب السياسية المغربية لمرشحات أو مناضلات يرتدين الحجاب أو ينتمين إلى مرجعيات إسلامية قد يكون له تأثير على جزء من الناخبات، لكن هذا التأثير ليس آلياً ولا موحداً بين جميع النساء المغربيات. فبعض الناخبات قد يشعرن بقرب أكبر من مرشحة تشبههن في المظهر أو المرجعية الثقافية والدينية ، فارتداء الحجاب قد يُنظر إليه لدى بعض الفئات من النساء كدليل على المحافظة والالتزام بالقيم الدينية، مما يعزز الثقة في المرشحة خاصة في بعض الأوساط القروية أو المحافظة حيث يكون للرموز الدينية وزن أكبر. فوجود مناضلات “إسلاميات” أو محجبات يعتبرعاملاً رمزياً قد يساعد على استقطاب بعض الناخبات، لكنه لا يبدو عاملاً حاسماً بمفرده في تحديد نتائج الانتخابات بالمغرب، حيث تتداخل معه اعتبارات محلية واقتصادية واجتماعية وحزبية متعددة. فنجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات سابقة لم يكن مرتبطاً فقط بوجود مناضلات محجبات، بل ارتبط أيضاً بصورة الحزب في محاربة الفساد وتحسين الحكامة خلال مراحل معينة.

في المقابل، تراجعت نتائجه لاحقاً رغم استمرار نفس الرموز النسائية والمحجبات داخله، مما يدل على أن سلوك التصويت أكثر تعقيداً من العامل الديني وحده. حيث أظهرت التجارب الانتخابية المغربية أن قضايا التشغيل والأسعار والخدمات العمومية والتنمية المحلية غالباً ما تكون أكثر تأثيراً من المظهر الشخصي للمرشح أو المرشحة. ففي المدن الكبرى وبين الفئات الشابة والمتعلمة قد تتراجع أهمية المظهر الديني لصالح الكفاءة والبرنامج الانتخابي. حيث توجد فئات واسعة من النساء المغربيات يصوتن بناء على اعتبارات أخرى تتمثل في الوضع الاقتصادي، و الخدمات الاجتماعية، وحقوق النساء، و التشغيل، أو الكفاءة السياسية. كما أن النساء الحضريات والشابات والمتعلمات أصبحن أكثر تنوعا في اختياراتهن، وأقل ارتباطا بالتصويت القائم فقط على المرجعية الدينية. بل إن بعض النساء قد يرفضن الخطاب الديني حيث اعتبرنه مهددا لحرية المرأة، أو غير قادر على تحسين الأوضاع المعيشية.

فقد برزت خلال السنوات الأخيرة فئات نسائية شابة في المدن تصوت بشكل أكثر استقلالية، وتهتم بقضايا:الحريات الفردية، و المساواة، وتوفير فرص الشغل، الرفع من التمثيلية السياسية للنساء. خاصة بعدما عملت الدولة والأحزاب على رفع مشاركة النساء عبر نظام الكوطا، واللوائح الجهوية، و حملات التحسيس، ودعم التمثيلية النسائية داخل المؤسسات. ومع ذلك، ما تزال هناك تحديات تؤثر على المشاركة السياسية للنساء، مثل: الأمية والهشاشة في بعض المناطق؛ وضعف التأطير الحزبي؛ و استعمال المال الانتخابي أو الضغوط العائلية؛ وضعف الثقة في السياسة لدى بعض الفئات.

من هنا يمكن القول بأن تصويت المرأة في المغرب أصبح أكثر استقلالية وتنوعاً مقارنة بالماضي، لكنه يظل متأثراً بالبنية الاجتماعية والثقافية وبطبيعة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. فتصويت النساء بالمغرب يتشكل من تفاعل: الجغرافيا، والثقافة المحلية، وطبيعة البنية العائلية، و مستوى التعليم، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي، والتحولات القيمية. أي أن “المرأة الناخبة” في المغرب ليست نموذجا واحدا، بل توجد نساء بتجارب ومرجعيات انتخابية متعددة حسب خصوصية كل جهة و محددات كل مجال اجتماعي.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

حميد ديكابريو

7 يونيو 2026 - 2:46 م

من بين روائع الممثل ليوناردو ديكابريو فلم Catch Me If You Can حيث تمكن البطل من انتحال مهن مختلفة دون

الألم الساخر بين محمد الماغوط وتشارلز بوكوفسكي

6 يونيو 2026 - 9:31 ص

     لَيس الألمُ دائمًا صرخةً مُدَوِّية، ولا الحُزن دمعة تسيل على الخد. أحيانًا، يرتدي الوجعُ قناعَ السُّخرية، ويختبئ خلف ابتسامة

مارجان ساترابي… حين يصبح الفن ذاكرةً في مواجهة النسيان

6 يونيو 2026 - 9:27 ص

في كل مرحلة تاريخية مضطربة تظهر أصوات قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى قضية إنسانية عامة. ومن بين هذه الأصوات

الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب

5 يونيو 2026 - 9:37 م

ارتبط الدعاء للسلطان تاريخياً بطبيعة النظام السياسي المغربي، حيث لم تكن الشرعية تقوم فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على

أمهات يصنعن أجمل صور العالم

4 يونيو 2026 - 10:04 م

منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°