يُعدُّ تحقيق التراث المخطوط من أدق مجالات البحث العلمي؛ لأنه لا يقوم على مجرد نسخ النص القديم وإعادة طبعه، بل يقتضي جملة من الكفايات العلمية والمنهجية، في مقدمتها: التعريف بالمؤلف والكتاب، والبحث عن النسخ الخطية، ودراسة العلاقات بينها، واختيار النسخة الأم، ومقابلة النصوص، وتوثيق النقول، والتعليق على المواضع المشكلة، وإعداد الفهارس الفنية الكاشفة لمضمون الكتاب.
غير أن القيمة العلمية للتحقيق تضعف حين تتكرر دراسة المخطوط نفسه من باحثين متعددين، اعتمادًا على النسخة الخطية ذاتها، ومن غير أن يقدم التحقيق اللاحق إضافة حقيقية تبرر إعادة الاشتغال عليه. وتصبح المسألة أكثر خطورة عندما تظهر أوجه تشابه واسعة بين أعمال الباحثين، أو يُستفاد من جهود السابقين من غير إحالة واضحة إليهم، أو يُقدَّم جزء من الكتاب بوصفه عملًا أصيلًا، مع أن تحقيقات سابقة له كانت قد تناولت الكتاب كله.
ويقدم كتاب »المنهاج في بيان مناسك الحاج «للإمام الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن خلف التجيبي القرطبي المالكي، المتوفى سنة 529هـ، نموذجًا جديرًا بالدراسة؛ فقد تعاقب على تحقيقه أربعة باحثين، واعتمدوا جميعًا على نسخة خطية فريدة محفوظة في الخزانة اليوسفية بمراكش تحت رقم: 152.
كان أول هذه الأعمال تحقيقًا أعدَّه الباحث مروان مصطفى المرتجي تحت إشراف الدكتور عبد الحق يدير، لنيل شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسايس – فاس، وقد نوقشت الأطروحة سنة 2016، ثم نُشر الكتاب محققًا عن دار الرشاد الحديثة سنة 2020.
وفي الفترة نفسها تقريبًا، أنجز الباحث عبد الله بن محمد المذكوري تحقيقًا آخر للكتاب تحت إشراف الدكتور محمد جميل مبارك، لنيل شهادة الدكتوراه بكلية الشريعة بآيت ملول، التابعة لجامعة ابن زهر، وقد نوقشت الأطروحة سنة 2016، ثم صدر التحقيق عن دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث سنة 2019.
كما تولى الباحث يونس بقيان تحقيق الكتاب، وصدرت طبعته عن دار الحديث الكتانية سنة 2017.
أما العمل الرابع، فقد أعدَّه الباحث محمد أجوييد تحت إشراف الدكتور أحمد الزيادي، لنيل شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة. ولم يتناول هذا العمل الكتاب كاملًا، وإنما اقتصر على قسم منه يبدأ من أول الكتاب وينتهي عند آخر باب «مَن فاته الحج»، ونوقشت الأطروحة سنة 2017، ولم تصدر بعد ذلك في كتاب مطبوع.
وهكذا نكون أمام أربعة أعمال علمية تناولت النص التراثي نفسه في فترة زمنية متقاربة، مع اعتمادها على أصل خطي واحد، وقد نُشر ثلاثة منها في كتب متداولة، بينما بقي التحقيق الرابع في صورته الجامعية.
والإشكال يبرز عندما تكون النسخة الخطية المعتمدة واحدة، ولا تتوافر للمحقق اللاحق مادة خطية جديدة، ولا يقدم قراءة مختلفة أو استدراكات جوهرية، ولا يوضح في مقدمة عمله علاقته بالتحقيقات السابقة، ومدى استفادته منها، وأسباب إقدامه على إعادة تحقيق الكتاب.
وفي هذه الحالة لا يعود السؤال متعلقًا بمشروعية إعادة التحقيق فقط، بل يصبح متعلقًا بالقيمة المضافة: ماذا قدم المحقق الجديد ولم يقدمه السابقون؟ وما الأخطاء التي استدركها؟ وما القراءات التي صححها؟ وما الأصول الجديدة التي اعتمدها؟ وكيف تعامل مع أعمال من سبقوه؟
إن تسجيل الأطروحة ومناقشتها لا ينبغي أن يكونا غاية في ذاتهما، بل يجب أن يكون موضوعها قائمًا على جدة علمية حقيقية. ولا تتحقق الجدة بتغيير بعض العبارات، أو إعادة ترتيب المقدمة، أو الزيادة في بعض التعليقات، أو حذف قسم من النص، ما دام جوهر العمل ومنهجه ونتائجه مستمدًا من جهود سابقة.
وتتجه الملاحظات الأكثر خطورة إلى التحقيق الرابع الذي أعدّه الدكتور محمد اجوييد؛ إذ إنه جاء بعد إنجاز تحقيقات سابقة للكتاب نفسه، واعتمد على النسخة الخطية ذاتها، واقتصر على نصف الكتاب تقريبًا، دون أن يقدم إضافة علمية تبرر تسجيله أطروحة مستقلة لنيل شهادة الدكتوراه.
كما تؤكد المقابلات العلمية استفادة واسعة من تحقيقات السابقين، ولا سيما في قراءة النص وضبطه وتخريج مصادره والتعليق عليه، من غير نسبة إلى أصحاب تلك التحقيقات.
كما كشفت المقارنة عن المواضع التي تطابقت فيها قراءة الكلمات المشكلة، والأخطاء التي انتقلت من تحقيق سابق إلى التحقيق اللاحق، والتعليقات والحواشي المتشابهة، وتخريجات الأحاديث والآثار، والتعريفات بالأعلام والكتب، وصياغة الدراسة التمهيدية، ولا شك أن هذا يدخل في نطاق الإخلال الجسيم بالأمانة العلمية.
ولا تتوقف المسؤولية عند الباحث وحده، بل تمتد إلى المشرف العلمي، وتكوين الدكتوراه، والمختبر، ولجنة المناقشة، والمؤسسة الجامعية التي أجازت الأطروحة.
فمن واجب المشرف أن يتحقق، قبل قبول الموضوع، من عدم إنجازه أو تسجيله في جامعة أخرى، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتحقيق مخطوط فريد محدود النسخ. كما ينبغي له أن يطلب من الباحث حصر جميع الدراسات والتحقيقات السابقة، وبيان ما سيضيفه عمله إليها.
وكان من اللازم، في حالة كتاب «المنهاج في بيان مناسك الحاج»، التحقق من الأطروحات التي كانت مسجلة أو منجزة في جامعات فاس وابن زهر، ومن التحقيق الذي أعده يونس بقيان، قبل السماح بمناقشة عمل جديد يقتصر على جزء من الكتاب نفسه.
كما تتحمل لجنة المناقشة مسؤولية فحص أصالة الأطروحة، وعدم الاكتفاء بالجانب الشكلي أو الاحتفالي للمناقشة. فالمناقشة العلمية ليست إجراءً بروتوكوليًا لمنح الشهادة، وإنما هي آخر مراحل التثبت من سلامة البحث وأصالته وجدارته بالإضافة إلى المعرفة العلمية.
وتتضاعف خطورة الأمر أن الباحث المذكور قد التحق بهيئة التدريس بجامعة عبد المالك السعدي؛ إذ لن تقتصر آثار ذلك على مساره الشخصي، بل قد تمتد مستقبلًا إلى الإشراف على بحوث الطلبة، والمشاركة في لجان المناقشة والتحكيم، بما قد يسهم في إعادة إنتاج الخلل ذاته داخل المؤسسة الجامعية.




تعليقات الزوار ( 0 )