في كل محطة انتخابية يعود النقاش حول طبيعة النخب التي تصل إلى المؤسسة التشريعية، وحول مدى قدرتها على الاضطلاع بالأدوار الدستورية المنوطة بها. ولا يتعلق الأمر فقط بنتائج الاقتراع أو توزيع المقاعد بين الأحزاب، بل بالسؤال الأكثر أهمية: من هم الذين يصنعون القانون؟ فالجودة التشريعية لا تبدأ داخل قبة البرلمان، وإنما تبدأ قبل ذلك، منذ مرحلة اختيار المرشحين ومنح التزكيات الحزبية. ومن هنا تبرز إشكالية منطق الأعيان، الذي لا يزال يحظى بحضور مؤثر في الحياة السياسية المغربية، وما إذا كان هذا المنطق يساهم في إعادة إنتاج أزمة التشريع أم يمثل مجرد أحد مكونات التمثيلية السياسية.
لقد عزز دستور 2011 مكانة البرلمان باعتباره سلطة تشريعية تمارس اختصاصات واسعة في سن القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية. غير أن فعالية هذه الاختصاصات تبقى مرتبطة، في جانب كبير منها، بمستوى الكفاءة العلمية والمهنية والخبرة السياسية لأعضاء المؤسسة التشريعية. فالقانون لم يعد مجرد نصوص تنظيمية، بل أصبح أداة لتنظيم الاقتصاد، وحماية الحقوق، ومواكبة التحولات الرقمية والبيئية والاجتماعية، وهي مجالات تتطلب معرفة متخصصة وقدرة على استيعاب التعقيدات القانونية والاقتصادية.
في المقابل، ما تزال عملية اختيار عدد من المرشحين داخل بعض التنظيمات الحزبية تخضع، في حالات متعددة، لاعتبارات النفوذ المحلي، والقدرة على الحشد الانتخابي، والثقل المالي أو الاجتماعي، أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة والخبرة التشريعية. ولا يعني ذلك أن جميع الأعيان يفتقرون إلى الكفاءة، كما لا يعني أن جميع الأكاديميين أو التقنيين قادرون بالضرورة على ممارسة العمل البرلماني بكفاءة، غير أن هيمنة معيار النفوذ على حساب معيار الاستحقاق قد تؤدي إلى اختلال في جودة النخب المنتجة للتشريع.
وتبرز آثار هذه الإشكالية في عدد من المؤشرات التي أصبحت موضوع نقاش متكرر داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية، من بينها محدودية المبادرات التشريعية البرلمانية مقارنة بالمشاريع الحكومية، وضعف النقاش التقني حول بعض النصوص القانونية، وكثرة التعديلات ذات الطابع الشكلي، إضافة إلى الاعتماد الكبير على خبرات الإدارة في إعداد ومناقشة مشاريع القوانين. وهذه المؤشرات لا تعكس فقط طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل تعكس كذلك الحاجة إلى تعزيز القدرات التشريعية للبرلمان من خلال استقطاب كفاءات متنوعة في مجالات الاقتصاد، والقانون، والهندسة، والطب، والرقمنة، والبيئة.
إن التجارب الديمقراطية المقارنة تبين أن جودة التشريع ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة النخب السياسية. ففي البرلمانات ذات الأداء المرتفع، تحرص الأحزاب على اعتماد معايير دقيقة في اختيار المرشحين، تجمع بين النزاهة والكفاءة والخبرة والقدرة على التواصل مع المواطنين. كما تستثمر في تكوين منتخبيها وتأهيلهم لممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية، باعتبار أن البرلماني لم يعد مجرد ممثل لدائرته الانتخابية، بل أصبح فاعلاً في صياغة السياسات العمومية.
أما في المغرب، فإن النقاش حول إصلاح المنظومة الحزبية لا ينبغي أن يقتصر على التمويل أو نمط الاقتراع أو نسب المشاركة، بل يجب أن يمتد إلى آليات إنتاج النخب السياسية نفسها. فالتزكية الحزبية ليست إجراءً تنظيمياً بسيطاً، وإنما هي قرار استراتيجي يحدد، إلى حد بعيد، مستوى الأداء البرلماني خلال الولاية التشريعية بأكملها. وكلما كانت معايير التزكية قائمة على الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، ارتفعت فرص إنتاج قوانين أكثر جودة واستجابة لحاجيات المجتمع.
وفي المقابل، فإن استمرار منطق الأعيان باعتباره معياراً أساسياً في التنافس الانتخابي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الحلقة نفسها: ضعف في النخب، ينعكس على جودة التشريع، ثم على فعالية السياسات العمومية، وأخيراً على مستوى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. لذلك فإن معالجة هذه الإشكالية لا تستهدف فئة اجتماعية بعينها، وإنما تستهدف ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص داخل الأحزاب، وربط المسؤولية بالكفاءة، بما ينسجم مع روح الدستور ومتطلبات النموذج التنموي الجديد.
ولا شك أن المغرب يتوفر على كفاءات أكاديمية ومهنية وإدارية عالية، داخل الجامعات، والإدارة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة الأحزاب السياسية على استقطاب هذه الكفاءات وإدماجها في العمل السياسي، وإقناعها بأن البرلمان فضاء لصناعة السياسات العمومية، وليس فقط مجالاً للتنافس الانتخابي.
إن جودة التشريع ليست قضية قانونية فحسب، بل هي قضية سياسية ومؤسساتية تبدأ من طريقة اختيار المرشحين، مروراً بجودة النقاش البرلماني، وانتهاءً بمدى قدرة القوانين على معالجة تحديات التنمية. ولذلك فإن بناء برلمان أكثر فعالية يقتضي الانتقال التدريجي من منطق النفوذ إلى منطق الكفاءة، ومن شرعية الحضور الانتخابي وحدها إلى شرعية الإنجاز التشريعي. فكل إصلاح يروم تعزيز الثقة في المؤسسات لا يمكن أن يكتمل دون إصلاح آليات إنتاج النخب البرلمانية، لأن جودة القوانين، في نهاية المطاف، هي انعكاس مباشر لجودة من يضعونها.





تعليقات الزوار ( 0 )