لم تعد التحولات الجيوسياسية في المنطقة (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقرن الإفريقي) تخضع للإيقاع البطيء الذي اعتادت عليه النخب المحلية ووكلاء الصراعات خلال السنوات الفائتة، فما تشهده المنطقة منذ أواخر 2025 وبدايات 2026 يمثل انتقالا نوعيا من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة تشكيل المحاور وفرض وقائع جديدة بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
في المنطقة المغاربية، نلفي أن المشروع الانفصالي فقد زخمه الإقليمي والدولي، وأصبحت جبهة البوليساريو الانفصالية تترنح بعد الاعتراف الأممي بمغربية الصحراء، أضف إلى ذلك تراجع الدعم الخارجي وانكشاف محدودية القدرة على فرض وقائع سياسية جديدة يفعل التحولات الإقليمية، إلى جانب الاعترافات الدولية المتزايدة بمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
كل ذلك وضع البوليساريو أمام مأزق وجودي، حيث بات استمرارها مرتبطا أكثر بإدامة الجمود داخل المخيمات، في غياب تام بإمكانية تحقيق مشروع سياسي قابل للحياة.
ومع تغير قواعد اللعبة الإقليمية، تتراجع البوليساريو من ورقة ضغط وابتزاز إلى عبء سياسي وإنساني يعسر تسويقه دوليا من قبل النظام العسكريتاري الجزائري، بل أضحت الجبهة الانفصالية قنبلة في يد النظام الجزائري بدأت شظايا انفجارها تمس النظام العسكري نفسه.
وعلى غرار البوليساريو، نلاحظ أن الكيانات الانفصالية والوظيفية الأخرى، والتي نشأت في لحظات الفوضى، تتعرض لهزيمة بنيوية متراكمة بعدما فقدت جدواها كأدوات إقليمية ودولية.
في اليمن، مثلا، سقط رهان التقسيم العملي الذي حاول المجلس الانتقالي الجنوبي فرضه تحت مظلة “الشراكة”، وهكذا تابعنا التدخل السعودي الحاسم الذي أعاد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين الدولة والميليشيا، وأسقط وهم “الكيان الموازي”، حيث لم يعد مقبولا الإبقاء على سلطات متعددة أو صيغ تقاسم سيادي مقنعة، بل عاد منطق الدولة الواحدة والسلاح الواحد ليتصدر المشهد.
أما في الصومال، فقد شكل القرار السيادي بإنهاء الاتفاقات الأمنية والعسكرية مع الإمارات، وإغلاق القواعد والموانئ، لحظة فاصلة في مسار تفكيك الأدوار الوظيفية العابرة للحدود.
هذا التحول أنهى عقدا من توظيف الهشاشة الصومالية كمنصة للتدخل الإقليمي، وأكد أن الرهان على الكيانات المحلية المرتبطة بالخارج لم يعد قابلًا للاستمرار.
أما في السودان، فتتجلى الهزيمة التدريجية لنموذج “الميليشيا البديلة للدولة” مع تجفيف شرايين الإمداد لقوات الدعم السريع، وتزامن التحركات السعودية المصرية، ونجاح الجيش السوداني في توجيه ضربات نوعية رفعت كلفة الدعم الخارجي إلى مستويات غير قابلة للاستدامة، وبات واضحا أن هذا النموذج لم يعد قادرا على فرض نفسه كفاعل مستقل في معادلة السلطة.
وفي سوريا، يتهاوى مشروع “قسد” بوتيرة متسارعة، مع استعادة الدولة زمام المبادرة عسكريًا وسياسيًا. انكشفت حدود الرهان على الكيانات الانفصالية بوصفها أدوات دائمة، وتراجع الحديث عن حكم ذاتي أو لامركزية موسعة لصالح إعادة فرض وحدة السلاح والقرار، وإغلاق مرحلة الازدواجية السيادية التي سادت خلال سنوات الصراع.
هذه التطورات المتزامنة لا يمكن فصلها عن تراجع المشاريع التي قامت على تفكيك الدول من الداخل عبر دعم كيانات محلية مسلحة أو سلطات موازية.
وضمن هذا المشهد يبرز وضع خليفة حفتر في ليبيا باعتباره حالة نموذجية لأزمة الكيانات الموازية، ذلك أن النموذج الذي مثله باعتباره سلطة عسكرية منفصلة، ومؤسسات منقسمة، لم يعد يحظى بالقبول الإقليمي ذاته، فشبكات الدعم التي استفاد منها بدأت تتفكك أو يعاد توجيهها، في ظل أولويات جديدة لا تضعه في موقع الصدارة.
كما أن العامل الزمني يزيد من تعقيد هذا المأزق، ولاسيما إذا استحضرنا تقدّم حفتر في العمر، وتصاعد التنافس داخل عائلته، وتآكل الشرعية القبلية التي استند إليها في بداياته الأولى من تأسيس كيانه.
وهكذا يتم إغلاق الملفات القديمة بمنطق الصفقات وإعادة توزيع الأدوار، لا بدافع العدالة أو الأخلاق، بل يحدث ذلك في لحظات التحول الكبرى، حيث يتم فيها تغيير الفاعلين الوظيفيين من أصول استراتيجية إلى أعباء سياسية.
وخلاصة القول، أن المنطقة ما بعد 2025 وبداية 2026 تدخل اليوم مرحلة ما بعد الميليشيات وما بعد الكيانات الانفصالية، إنها مرحلة إعادة الاعتبار للدولة بوصفها الفاعل المركزي الوحيد، وعبرها تتم عملية إعادة ضبط قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.






تعليقات الزوار ( 0 )