أخبار ساعة

14:10 - بوريطة يدعو إلى إصلاح عمليات حفظ السلام الأممية وتكييفها مع التحولات الميدانية13:30 - نادية فتاح: مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة خيار سيادي يندرج ضمن أولويات المغرب التنموية13:00 - بورصة البيضاء تفتتح تداولات الأربعاء على ارتفاع ومؤشر “مازي” يصعد بـ0.37%12:14 - برلمانية تسائل الحكومة بشأن تضارب أرقام استيراد الأغنام المدعمة واختلالات دعم الأضاحي11:30 - المغرب يطلق أكبر مجمع شمسي في شمال إفريقيا بقدرة 20 ألف ميغاواط لتزويد أوروبا بالكهرباء11:05 - توقيف عشريني بالدار البيضاء بعد سرقة سيارة أجرة والاعتداء على سيدتين تحت التهديد10:30 - المغرب يعزز سيادته الدفاعية بصفقة لإنتاج 500 ذخيرة جوالة محليا في بنسليمان09:34 - تقرير: إسرائيل والولايات المتحدة خططتا لإعادة أحمدي نجاد للحكم في إيران09:05 - طقس الأربعاء.. ارتفاع درجات الحرارة وأجواء حارة بعدد من مناطق المغرب00:16 - أطروحة دكتوراه حول الطاقات المتجددة وهندسة العلاقة بين المخاطر والعائد في الأقاليم الجنوبية للمغرب
الرئيسية » فكر ونقد » عفوا يا صابر مشهور.. نحو تفكيك خطاب “الأمويين الجدد”!

عفوا يا صابر مشهور.. نحو تفكيك خطاب “الأمويين الجدد”!

رُوي في الأثر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يا علي، يهلك فيك رجلان: محبّ غالٍ، ومبغض قالٍ».

وهذه محاولة مني للرد على ظاهرة “الأمويين الجدد” التي استفحلت بشدة خلال السنوات الأخيرة، والتي بدأت كقراءة بديلة للرواية الرسمية. وقد شجعناها في محاولة لتقديم قراءة جديدة للتاريخ الإسلامي بعيدا عن القراءة التقليدية التي كانت تنتصر لفرق الشيعة في التاريخ الإسلامي وتتجاهل الطرف الآخر، لكن سرعان ما وقعت القراءة البديلة في فخ المبالغة، فأصبحت قراءة خطيرة تهدم صحيح الدين وتمجد الطغاة، ووقعت في فخ شتم الصحابة نفسه الذي وقع فيه الشيعة.

لنتحدث بكل صراحة؛ إن التعامل مع إرث الدولة الأموية إشكالية معرفية ومنهجية معقدة تواجه الباحثين والمؤرخين في التاريخ السياسي الإسلامي، لأن معظم أدبيات هذا التاريخ وكتاباته دُوّنت في العصر العباسي، أي على يد السلطة التي قامت على أنقاض الدولة الأموية وشرعنت وجودها على هزيمة الأمويين. ومن الظاهر أن هؤلاء المؤرخين لم يكونوا محايدين، بل كانوا ينتصرون للسلطة. فابن جرير الطبري نشر في تاريخه شنائع في حق أعداء العباسيين، مثل تلميحه إلى أن الأدارسة كانوا أشرافا مزيفين، أو زعمه أن حكام مصر والمغرب الفاطميين كانوا يهودا، وما رواه عن صاحب الزنج من افتراء، وما نقله عن الوليد بن يزيد، وغير ذلك من الآراء التي كانت تمثل وجهة نظر الدولة العباسية في الأحداث.

ولم يصلنا من وجهة النظر الأموية إلا في شكل “شذرات” متناثرة ضمن كتب الأندلس، والتي عانى مصنفوها ومؤلفوها من وطأة الحصار الفكري، فمالوا إلى التلميح والرمزية دون التصريح، لضمان تداول مؤلفاتهم داخل المشرق الإسلامي الخاضع آنذاك للهيمنة العباسية.

انقسم الناس حول بني أمية؛ فقال الشيعة إن بني أمية كانوا أبشع صور الحكم وأكثرها انحرافا عن الإسلام، ومال أكثرهم إلى تكفير بني أمية جملة لأنهم “الشجرة الملعونة” في القرآن. وقال آخرون بتمجيد بني أمية، وهم النواصب والحركات القومية العربية وبعض النخب السورية المعاصرة التي تدافع عن الأمويين بدوافع وطنية وهوياتية معاصرة، لا صلة لها بالتحقيق التاريخي العلمي.

وكان أغلب الناس، وهم علماء أهل السنة على مر العصور، على موقف متوازن يرى الدولة الأموية تجربة تاريخية بشرية، ودولة من دول الإسلام، خضعت لنواميس الصعود والهبوط، وكان لها ما لها من منجزات استراتيجية، وعليها ما عليها من إخفاقات بنيوية.

ومن يتابع اليوم المنصات الإعلامية يلحظ صعود موجة نطلق عليها اصطلاحا “الأمويين الجدد”، التي بدأت مع الشيخ العراقي طه الدليمي ومجموعات من البعثيين الآخرين، مرورا بمثقفين سوريين ويمنيين، وأخيرا الصحفي صابر مشهور، وهو موضع هذا المقال.

إن هذه الأطروحات، التي بدأت محاولاتها بادعاء “العلمية”، سرعان ما تكلست وتحولت إلى بروباغندا دعائية فجة، تنحو نحو الانتصار المطلق للدولة الأموية والتعصب لها، حتى لو تطلب ذلك مصادمة الحقائق التاريخية الثابتة، وهدم علم الحديث والفقه.

بداية، إن صعود الدولة الأموية لم يكن نتاج مؤامرة أو صدفة تاريخية، بل كان استجابة طبيعية وحتمية لتحول جيوسياسي واجتماعي ضخم. فالخلافة الراشدة، أو ما يمكن تسميته أكاديميا بـ”جمهورية المدينة المنورة” أو “جمهورية يثرب”، قد واجهت حدودها الهيكلية وفشلت في الاستمرار كمركز إدارة سياسي.

لقد تمددت الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية في سنوات قليلة تمددا هائلا تجاوز القدرة الاستيعابية والتنظيمية لـ”يثرب”. وما حدث في المدينة يشبه تماما ما حدث في روما القديمة؛ حيث عجزت ديمقراطية المدينة الصغيرة وآلياتها البدائية عن إدارة إمبراطورية شاسعة، وظهرت الحاجة الملحة إلى مركزية سياسية وإدارية وعسكرية تمتلك مقومات السيطرة، وهو ما توفر في دمشق الأموية.

عجزت ديمقراطية المدينة الصغيرة، القائمة على الشورى الشفوية المباشرة وآلياتها البدائية، عن إدارة ولايات شاسعة بعيدة.

إن الأزمة الحقيقية التي ضربت شرعية الحكم في أواخر العصر الراشد تجلت في “الانفجار الديمغرافي” الناتج عن دخول شعوب البلاد المفتوحة في الدين الجديد، وتمدد الأعراب والقبائل البدوية التي سكنت الأمصار الحيوية المستحدثة كالكوفة والبصرة. هذه الكتل السكانية الجديدة لم تعد تقبل بأن تظل مجرد “رعايا” أو “أتباع” لمركز قرار نخبوي محصور في قريش والصحابة بالمدينة المنورة، بل طالبت بصخب وبشكل عنيف بأن تكون جزءا أصيلا من صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وإعادة توزيع الثروة والسلطة.

هذا التحول الاجتماعي الضخم وغير المنضبط أنتج موجة من الأراجيف والاضطرابات الممنهجة، والتي غُذيت بوعي أو بدون وعي من قوى محلية متضررة، مما قاد في النهاية إلى المشهد المأساوي المتمثل في مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. لقد كان هذا الاغتيال نتاج عجز النظام السياسي الراشد عن ابتكار أدوات استيعاب مؤسسية للكتل البشرية الجديدة؛ إذ لم يكن العالم القديم يعرف بعد آليات الانتخاب، أو صناديق الاقتراع، أو التمثيل النيابي الحديث، فكان البديل الحتمي للانفجار الاجتماعي هو اللجوء إلى “القوة والمركزية الصارمة” التي مثلها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فيما بعد لإعادة ضبط إيقاع الدولة.

لقد كانت سياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإدارية والاقتصادية تختلف بنيويا وتفصيليا عن سياسة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

تجلى ذلك في تأسيس عمر للدواوين، وابتكاره لنظام العطاء الدوري، ومنعه تملك الأراضي المفتوحة، واعتبارها سوادا للمسلمين، وتقييده الصارم لحركة كبار الصحابة خارج المدينة منعا لتشكل مراكز قوى مالية وسياسية في الأمصار. وكان هذا الأمر مقبولا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن الناس لم يتقبلوه من عثمان بن عفان رضي الله عنه، لذلك نقموا عليه، وحدثت تلك الأحداث التي انتهت بمأساة مقتله على يد مجموعة من الثوار والخوارج، وحدث الانقسام الكبير بين المسلمين، الذي لم يُحسم إلا على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

لم يكن انتقال السلطة إلى بني أمية مجرد تبدل في هوية الحاكم أو استبدال عائلة بأخرى، بل كان إعادة تموضع تاريخي.

اعتمدت دمشق على معادلة “العصبية القبلية” بمفهومها الخلدوني كركيزة أساسية لتثبيت أركان العرش، مستفيدة من التقسيمات القبلية الكبرى في الشام.

لقد أدرك معاوية بن أبي سفيان، بذكائه السياسي الفذ، أن استقرار ملكه مرهون بخلق توازن حرج ودقيق بين مكونات المادة البشرية للفاتحين والجيش الشامي، وتحديدا بين القبائل اليمنية “الكلبية” والقبائل المضرية “القيسية”. هذا النظام الإداري والعسكري، رغم نجاعته العسكرية الفائقة في ضبط الأمن وإدارة حركة الفتوحات وتأمين ثغور الدولة ضد الإمبراطورية البيزنطية، حمل في أحشائه بذور فنائه الحتمية؛ إذ تحولت الصراعات القبلية داخل أروقة القصور ومعسكرات الجيش من أداة توازن استراتيجي إلى قنابل موقوتة، انشطرت بشكل عميق في معركة “مرج راهط”، مما نسف تماسك الدولة من الداخل بمجرد اهتزاز مركزية القرار وغياب القادة التاريخيين الكبار.

تجاوزت الدولة الأموية مرحلة “إدارة القبيلة” إلى مرحلة “عقلنة السلطة ومأسستها”. وكان هذا التحول الاستراتيجي الأبرز في عهد الملك المؤسس الثاني للدولة، عبد الملك بن مروان. وتمثلت هذه العقلنة السياسية في قرارات بنيوية كبرى غيرت وجه التاريخ الإسلامي، مثل تعريب الدواوين وضرب العملة الإسلامية.

لكن أحفاد عبد الملك لم يكونوا مثل جدهم؛ فقد دمروا كل ما قال به، ومزقوا عصبية أهل الشام، وتفشت في عهدهم الثورات في المشرق والمغرب، وقام يزيد الناقص بقتل الخليفة، ثم قام مروان بن محمد بإخلاء الثغور واندفع بجيشه لاحتلال دمشق، فزاد الفوضى.

إن أي عامل خارجي أو اختراق استخباراتي لا يمكنه إسقاط دولة ما لم تكن بنيتها التحتية والاجتماعية قد تآكلت ذاتيا واستعدت للانهيار، وهذا ما حدث مع بني أمية وبني العباس.

إن سقوط الدولة الأموية عام 132 هـ لم يكن مفاجأة حلت بغتة، بل كان نهاية منطقية لخط بياني من التآكل الداخلي الحتمي. عندما تخلت الدولة عن مرونة الاستيعاب، وقصرت امتيازات الإمبراطورية الواسعة على النخبة العصبية المقربة، وعجزت عن دمج الأغلبية الديمغرافية الصاعدة من الموالي، تضعضعت شرعيتها الاجتماعية والمؤسسية بالكامل.

وجاءت الضربة القاضية من خراسان؛ تلك الجغرافيا البعيدة عن مركز القرار في دمشق، والتي كانت تمثل “الثغر الملتهب”. وهناك تلاقت رغبة الموالي في الانعتاق والمساواة، مع حنق القبائل العربية التي أُنهكت في الصراعات البينية وحُرمت من ديوان العطاء، مع التخطيط الشبكي السري والمحكم الذي قاده أبو مسلم الخراساني لصالح بني العباس. وعندما تحركت الرايات السود من الشرق، كانت دمشق قد استنزفت مادتها البشرية وعصبيتها الحاكمة، ولم تجد خط الدفاع الحقيقي الذي يحمي عرش مروان بن محمد، لتسقط الدولة وفق ذات السنن التي صعدت بها.

إن نجاح الدعوة العباسية وانطلاق شرارتها من خراسان لم يكن مجرد مؤامرة مخابراتية شعوبية، بل كان نتاج استثمار ذكي وممنهج في الأزمات البنيوية العميقة التي عجزت إدارة دمشق عن حلها؛ وعلى رأسها تهميش طبقة “الموالي” ماليا واجتماعيا وإداريا.

فالذين شكلوا الكثافة الديمغرافية والقوة العسكرية المنتجة في الأطراف الشرقية عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية في العطاء والوظائف والامتيازات داخل منظومة أموية اتسمت بمسحة عربية أرستقراطية حادة. هذا الخلل البنيوي في “عدالة التوزيع” حوّل الموالي إلى مادة خام وقودية جاهزة للثورة بمجرد أن لُفّعت بشعارات “الرضا من آل محمد”، وهو ما يغفله خطاب البروباغندا تماما ليحرم الشعوب من فهم السنن الحقيقية لاستقرار الدول أو انهيارها.

قامت الدولة الأموية بنيويا على فكرة “الدولة الفاتحة” التي تغذي خزينتها وجندها من خلال التوسع الجغرافي المستمر: الغنائم، والخراج، والجزية. وعندما توقفت آلة الفتوحات الكبرى واجهت الدولة عجزا حادا في تغذية طموحات النخبة وإرضاء المقاتلة.

وتفاقمت الأزمة بشكل قاتل عندما دخلت الملايين من شعوب البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي؛ فوفق المنظومة الأموية التقليدية أدى إسلام هؤلاء إلى سقوط الجزية عنهم، مما تسبب في انهيار مالي مرعب في عوائد خزينة الدولة الإقليمية.

ومحاولات بعض الخلفاء، مثل الحجاج بن يوسف بتوجيه من عبد الملك بن مروان، إعادة فرض الجزية على من أسلم من الموالي لحماية “الموازنة العامة للدولة”، مثلت خطأ استراتيجيا وتناقضا أيديولوجيا فجّا؛ إذ نزعت عن الدولة شرعيتها الدينية والأخلاقية، وأظهرتها كـ”جابي أموال” لا كـ”داعية دين”، مما أدى إلى تعميق الشرخ بينها وبين الموالي.

عند إخضاع خطاب الأخ صابر مشهور ومجموعات “الأمويين الجدد” للتفكيك المنهجي الصارم، تبرز معضلة تهافت بنيوية تكاد تعصف بكل ما يطرحونه من ادعاءات تاريخية.

إن التناقض الصارخ والمثير للسخرية الأكاديمية في هذا الخطاب يتجلى في أن هؤلاء المدافعين المعاصرين يقيمون صرح سرديتهم بالاعتماد الكلي وشبه المطلق على ذات المراجع والمعطيات التاريخية التي صاغها خصوم الدولة الأموية.

يقوم الأخ صابر مشهور باختزال حركة التاريخ المعقدة في ثنائية “المؤامرة المكتملة” و”البيادق المنفذة”. ويصور هذا الخطاب سقوط الإمبراطورية الأموية وصعود العباسيين، وكذا ثورات الخوارج والتحركات الإقليمية، على أنها مجرد تحريكات مسبقة الصنع هندستها غرف مظلمة لقوى شعوبية أو فارسية استهدفت “العروبة والإسلام”، مثل ما فعل في حلقات البرامكة.

كما يقوم بإسقاط توازنات وصراعات القرن الخامس عشر الهجري على أحداث القرن الأول الهجري، ويحاول حشد الجماهير وتعبئتهم بربط الصراعات والتحالفات الحالية في المنطقة بالصراعات القديمة.

إن الدولة الأموية، في نهاية المطاف، كانت حلقة مجيدة وصعبة من تاريخنا السياسي البشري؛ صعدت بحتمية الجغرافيا وبراعة التنظيم الإداري، وسقطت بحتمية السنن واختلال التوازنات الاجتماعية والقبلية والاقتصادية.

إن محاولات صابر مشهور وأتباع المدرسة “الأموية الجديدة” لإعادة إنتاج هذا التاريخ بنبرة تعصبية وتقديسية وتحشيدية لا تعدو كونها ظاهرة صوتية مؤقتة تعزل الحدث التاريخي عن سياقه السوسيولوجي والجيوسياسي، وتستبدل التحليل العلمي الرصين بالخطاب الدعائي الذي يداعب العواطف دون أن يقدم وعيا حقيقيا بالصيرورة التاريخية.

إن أخطر ما يقوم به أنصار مذهب “الأمويين الجدد” هو تصوير دواوين السنة كـ”مؤامرات عباسية” أو “صناعات إخبارية مشوهة”، لأنهم لا يفككون نصوصا مجردة، بل يجردون الكتلة السنية بالكامل من سلاحها المعرفي والتاريخي. ولولا معرفتي بالأخ صابر لظننت أنه متآمر على الإسلام مثل أبي رية وعدنان إبراهيم ومحمد شحرور.

فإذا كان البخاري ومسلم، اللذان تلقت الأمة كتابيهما بالقبول عبر القرون، محل تشكيك وطعن، فمن الذي يمتلك الأهلية لنقل الدين؟

هذه الفوضى تخدم التمدد الشيعي والعلماني الإلحادي. إن هذا المنهج في الحقيقة هو تطبيق لمذهب ميشيل فوكو عبر فكرة “تفكيك الخطاب وإرجاعه إلى السلطة”. وهذا المنهج طبقه محمد عابد الجابري، فأنتج لنا كوارث عبر زعمه أن “العقل العربي السني محكوم ومحاصر ببنية معرفية تشكلت في عصر التدوين”، وأن هذا العصر صاغ عقولنا وفق توازنات وصراعات ذلك الزمان.

فيتم علمنة الدين الإسلامي عن طريق هدم علم الحديث وإزالة قداسته وإدراجه ضمن صراع المصالح المادية والسلطوية، وإثبات صحة المزاعم الشيعية أن كتب الحديث النبوي صناعة الحكام العباسيين والأمويين وغيرهم.

قال المفكر الفرنسي رينيه جيرار إن المهزوم يميل دائما إلى شيطنة المنتصر كشكل من أشكال التعويض النفسي. وعندما كان الهاشميون مهزومين قامت الدعوة العباسية أساسا على مظلومية “آل البيت” وشعار “الرضا من آل محمد”، مستغلة دم الحسين بن علي ومأساة كربلاء كمادة خام لتثبيت شرعيتها الأخلاقية وتعبئة الجماهير ضد بني أمية.

وعندما انتصر العباسيون الهاشميون وأصبح بنو أمية بين مقتول ومشرد، تحولوا إلى صناعة الضحية عبر إعادة صياغة تاريخ “المهزوم” بعيدا عن مقصلة الرقيب العباسي في بغداد.

وفي كتاب “العقد الفريد” يسوق ابن عبد ربه الأندلسي أخبار مذابح أمراء بني أمية المستسلمين، أما بقية مؤرخي الأمويين فتحدثوا عن نبش قبور خلفاء بني أمية في الشام؛ فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان، وقبر يزيد، وقبر عبد الملك بن مروان، وصولا إلى جثة هشام بن عبد الملك التي وجدوها لم تبل، فجلدوها وصلبوها ثم أحرقوها وذروها في الريح.

بل قام أحد الأمويين وهو الأصفهاني، صاحب كتاب “الأغاني”، بكل خبث بكتابة “مقاتل الطالبيين” حتى يظهر أن العباسيين يقتلون العلويين، كما قام حكام الأندلس بدعم الأدارسة في المغرب ضد السلطة العباسية حتى تكون المغرب دولة حاجزة بين العباسيين والأندلس.

إن الدولة الأموية، في نهاية المطاف، كانت حلقة مجيدة وصعبة من تاريخنا السياسي البشري؛ صعدت بحتمية الجغرافيا وبراعة التنظيم الإداري، وسقطت بحتمية السنن واختلال التوازنات الاجتماعية والقبلية والاقتصادية.

إن محاولات صابر مشهور وأتباع المدرسة “الأموية الجديدة” لإعادة إنتاج هذا التاريخ بنبرة تعصبية وتقديسية وتحشيدية، مع هدم الثوابت الحديثية كالبخاري ومسلم عبر تبنٍّ واعٍ أو غير واعٍ لمناهج فوكو وفيبر والجابري، لا تعدو كونها ظاهرة صوتية مؤقتة ومخترقة معرفيا، سواء كانت تدري أو لا تدري، لأنها تدرس الحدث التاريخي بشكل غير موضوعي، وتستبدل التحليل العلمي الرصين بالخطاب الدعائي الذي يداعب العواطف ويهدم المرجعيات الكبرى دون وعي بالمآلات.

قال تعالى:
﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾.

*كاتب وطبيب من السودان

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

مؤتمر دولي بالقنيطرة يناقش تحولات المالية والابتكار والاستدامة الرقمية زمن الذكاء الاصطناعي

19 مايو 2026 - 9:29 م

تنظم كلية الاقتصاد والتدبير بالقنيطرة، التابعة لـ جامعة ابن طفيل، يوم 23 ماي الجاري، مؤتمرا علميا دوليا حول موضوع: “المالية

من “أرض الميعاد” إلى “أرض أجداد”

19 مايو 2026 - 9:17 م

أثار الحديث مؤخرا حول تجنيس اليهود ذوي الأصول المغربية، نقاشا حادا داخل وسائط التواصل الاجتماعي. وحين نربط هذا الموضوع المطروح

بريطانيا بعد البريكست: قوة تبحث عن بوصلة

19 مايو 2026 - 8:34 م

توجد إشاعات قوية حول احتمال استقالة رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، وسواء استقال أم لا، فمثل هذه الأخبار تبرز غياب

من مكة إلى مديونة.. هل تكفي التوبة الروحية لمحو جراح السياسة؟

19 مايو 2026 - 5:53 م

حين يشدّ المؤمن الرحال إلى الديار المقدسة، فهو لا يكون ذاهبا فقط إلى مكان مبارك، ولا مؤديا مجرد شعائر معلومة

حولي الريادة

19 مايو 2026 - 11:33 ص

بلغ التضامن بين وزراء حكومة الكفاءات والصفقات أعلى مستوياته من خلال تدخل وزير الفلاحة لإنقاذ زميله في قطاع التعليم من

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°