حين يشدّ المؤمن الرحال إلى الديار المقدسة، فهو لا يكون ذاهبا فقط إلى مكان مبارك، ولا مؤديا مجرد شعائر معلومة من طواف وسعي ووقوف بعرفة ورميٍ للجمرات…المؤمن الحق، المؤمن الصادق الصدوق يعيش، إضافة إلى ما سبق، واحدة من أعمق لحظات المراجعة، التي يمكن أن يعيشها الإنسان مع نفسه، ومع ربّه، ومع الناس أيضا… فالحج، في جوهره، لا يمكن النظر إليه كمجرد عبادة تؤدى بالجسد، الحج هو رحلةُ تطهير للروح، وامتحانٌ عسير للضمير، وفرصة استثنائية لإعادة ترتيب العلاقة مع الله تعالى على قاعدة التوبة الصادقة، ومع الخلق على قاعدة الإنصاف وردّ المظالم وطلب الصفح ممن قد نكون أخطأنا في حقهم.
بهذا المعنى العميق، تكتسب رحلة فاطمة الزهراء المنصوري إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج هذا العام دلالة تتجاوز بعدها الشخصي والإيماني المحض، لتلامس أيضا ذلك البعد الأخلاقي الذي يرافق كل مسؤول عمومي وكل فاعل سياسي، لأن من يتصدر الشأن العام لا يحمل فقط أعباء القرار، بل يحمل كذلك تبعات ما يترتب عن قراراته ومواقفه من آثار في حياة الآخرين ومشاعرهم ومصائرهم…
ولعل ما يضفي على هذه الرحلة بُعدا رمزيا إضافيا، أن فاطمة الزهراء المنصوري قدّمت نفسها، في أكثر من مناسبة، بوصفها “بنت الصالحين”، وهي عبارة ليست عابرة في الوجدان المغربي، لأن “الصالحين” في ثقافتنا الشعبية لا يحيلون فقط على النسب العائلي أو الاجتماعي، وإنما يستدعون معنى الانتساب الرمزي إلى عالم البركة والولاية والاستقامة، وإلى ذلك الإرث الروحي الذي يجعل صاحبه مطالبا، أكثر من غيره، بأن يكون سلوكه امتدادا لما يعلنه من انتماء. ومن هنا، فإن الذهاب إلى بيت الله الحرام يكتسب معنى أعمق حين يكون مناسبة لتجديد الصلة بهذا المعنى النبيل، فهي مناسبة عظيمة لاكتساب الأجر والتماس المغفرة والتخفف من أوزار النفس التي لا يخلو منها بشر، لكن ما يجعل هذه الرحلة أكثر رهبة هو أن الإنسان، وهو واقف بين يدي الله في تلك المشاهد التي تذوب فيها كل الأقنعة، لا يستطيع أن يهرب من أسئلة ضميره، ولا أن يتجاوز بسهولة ما قد يكون عالقا في ذمته من حقوق العباد.
وهنا تحديدا، يفرض اسم صلاح الدين أبو الغالي نفسه على الذاكرة السياسية والأخلاقية المرتبطة بالمنصوري، التي عرفت كيف تخلق “نفوذا مُعوّما” من مزاعم عن صلات بـ”جهات عليا” للاستقواء بها في ممارسة هيمنتها واستبداها لحد “الحݣرة”!!! ذلك أن ما يجعل اسم أبو الغالي حاضرا بقوة في هذا المقام، يتعدى مجرد خلاف سياسي بين رفاق الأمس، لأن المسألة تتعلق بصورة مقلقة من صور الظلم السياسي والأخلاقي، الذي يكتسب خطورته من كونه لم ينشأ أصلا من قضية حزبية أو من مخالفة تنظيمية أو أخلاقية مرتبطة بتدبير الشأن العام، وإنما من نزاع تجاري شخصي بين طرفين، كان يفترض أن يبقى في مجاله الطبيعي، بين المعنيين به، أو أمام القضاء عندما يقتضي الأمر. غير أن المثير للذهول أن فاطمة الزهراء المنصوري اختارت أن تُقحم الحزب في هذا الخلاف الخاص، وأن تُحرّك هياكله ومؤسساته، من مكتب سياسي ومجلس وطني ومنظمات موازية للنساء والشباب (!؟!)، لا من أجل حماية القانون الداخلي أو صون الأخلاقيات الحزبية، وإنما من أجل الضغط على أحد أطراف النزاع، من أجل “الاستقالة من القيادة الثلاثية”، ومعاقبته سياسيا حين رفض الانصياع. إنها تصفية سياسية وشخصية ممنهجة تعكس حجم الانزلاق الخطير في معنى العمل الحزبي نفسه، حين تتحول مؤسسة سياسية، بُنيت لخدمة المواطنين وتأطير الفعل الديمقراطي، إلى ما يشبه وكالة خاصة للتدخل في الخلافات التجارية، وأداة لتصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء القرار التنظيمي!!! لشيء في نفس المنصوري “لم تقضيها” لحد الآن!!.
والأخطر من ذلك، أن أبو الغالي المسكين، “لم يختار” أن يكون ضمن تلك القيادة الثلاثية التي “أقرها” المؤثمر، بل هي واحدة من أسمى “الفلسفات” التي فرضتها الفكرة التي حملها المؤسسون الأوائل لحزب الأصالة والمعاصرة، حين أرادوه إطارا سياسيا يؤسس لممارسة حزبية جديدة تقطع مع الزعامة الفردية والولاءات الضيقة وكل اختلالات الممارسة السياسية السائدة… لذلك، فإن السؤال الأخلاقي، الذي يلاحق المنصوري اليوم وهي في الديار المقدسة، لم يعد يتعلق فقط بالظلم الذي مارسته على أبو الغالي، وإنما بخيانة ذلك الوعد السياسي، الذي قدمه المؤسسون الأوائل للمغاربة، باعتباره وعدا بالتجديد وبممارسة السياسة بشكل آخر، فإذا بالوعد يتحول، مع المنصوري، إلى وهم وألم ووخز بالارتداد إلى نفس الأساليب التي أفسدت السياسة وأضعفت الثقة فيها…
ومن هنا، فإن مطلب التوبة، الذي تفرضه رحلة الحج، تتعلق بحق فرد تعرض للظلم، مثلما تتعلق بحق فكرة سياسية كاملة تعرضت، هي الأخرى، للخذلان والانكسار، لأن ما مارسته المنصوري يجسد قضية ذات حمولة أخلاقية واضحة، بحكم ما مورس على أبو الغالي من ظلم واستهداف وإقصاء خارج منطق الديمقراطية والحكامة التي كان يفترض أن تحكم تدبير الحزب. وهنا، إذا كانت السياسة بطبيعتها فضاء للاختلاف والتنازع والتدافع، فإن الدين، في لحظات الصفاء الكبرى، يعيد الأمور إلى أصلها البسيط ليسائل “بنت الصالحين”: هل ظلمتِ أحدا؟ هل كسرتِ خاطرا؟ هل استعملتِ سلطة أو نفوذا في غير موضعهما؟ وهل تستطيعين أن تواجهي الله وأنت مطمئنة إلى أنك لم تحملي معك إلى بيته دعوة مظلوم؟
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”، وهي من أكثر الأحاديث رهبة حين يستحضرها الإنسان في سياق الحج، لأن المؤمن هناك لا يطلب فقط المغفرة من الذنوب التي بينه وبين ربّه، فهذه بابها مفتوح بالتوبة والاستغفار… لكن هناك ذنوب تتعلق بحقوق العباد، وهذه لا تُمحى بمجرد الدعاء، ولا تُسقطها دموع الخشوع، ولا يكفي فيها الطواف حول الكعبة ولا الوقوف بعرفة إذا بقيت المظالم معلقة في رقاب أصحابها.
من هنا، يصبح السؤال مشروعا، بل ضروريا: هل ستتذكر المنصوري، وهي تطوف في رحاب البيت العتيق، أن من تمام التوبة أن يطلب الإنسان الصفح ممن يعتقدأنه أخطأ في حقه؟ هل ستستحضر، وهي ترفع يديها بالدعاء في عرفات، أن الاعتراف أمام الله لا يكتمل أخلاقيا إلا حين يقترن بالقدرة على الاعتذار للمظلوم؟… أن تمنح نفسها لحظةَ شجاعة نادرة، لحظة تلتقط فيها هاتفها، وتهاتف صلاح الدين أبو الغالي، لا بصفتها المنسقة الحزبية ولا المسؤولة الحكومية ولا الشخصية النافذة، وإنما بصفتها عبداً من عباد الله يقول لعبد آخر: إن كنتُ قد أخطأتُ في حقك، فإني أطلب منك الصفح كما أطلبه من الله…
أي قوة أخلاقية ستكون في مثل هذا الموقف، وأي درس سياسي يمكن أن تقدمه المنصوري لو فعلت ذلك. فالسياسة في حاجة ماسة إلى شيء من نور الإيمان، وإلى شيء من التواضع أمام الحقيقة الكبرى التي تذيب كل المناصب والامتيازات: أن السلطة زائلة، وأن ما يبقى هو سلامة القلب ونظافة الذمة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
إن الحج هو فرصة للتطهّر من الذنوب الفردية المعتادة، لكنه قد يكون أحيانا فرصة نادرة للتخفف من أعباء أثقل، من أخطاء ارتُكبت في لحظات الغضب أو الصراع أو الشعور بالقوة، ومن جراح مريرة خلّفتها قرارات سياسية في نفوس من كانوا، إلى وقت قريب، شركاء في الطريق نفسه…
وإذا كانت مكة هي الوجهة التي يقصدها المؤمن طلبا لمغفرة الله، فإن مديونة، بما ترمز إليه هنا من جرح سياسي وإنساني مفتوح مع صلاح الدين أبو الغالي، قد تكون الوجهة الأخرى، التي لا يكتمل معنى الصفح إلا بالالتفات إليها لردّ المظالم إلى أهلها والتماس الصفح ممن قد يكون قد طالهم الأذى… بين مكة ومديونة، مهما اتّسعت المسافة على الخريطة، قد لا يحتاج الطريق إلى التوبة والمغفرة إلا إلى كلمة صادقة واحدة على الهاتف وفي الدعاء، لعلها تكون توبة صدوقا قد تختصر المسافات… إلى السماء.





تعليقات الزوار ( 0 )