بعد عشرين عاما من الصمت والالتباس، يكشف الفيلم الوثائقي “أبي والقذافي”، الذي عُرض ضمن مهرجان الدوحة السينمائي الدولي، تفاصيل صادمة حول اختفاء المعارض الليبي البارز منصور الكيخيا في القاهرة عام 1993، والرحلة الغامضة لجثته التي احتفظ بها نظام القذافي في ثلاجة خاصة لسنوات طويلة، إضافة إلى الدور الملتبس الذي لعبته وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) في تضليل عائلته.
تروي بهاء العمري، زوجة السياسي الراحل، أن مسؤولين في الـCIA أبلغوها بعد عام من اختفائه بأن زوجها قُتل في ليبيا ورُمِي جثمانه في الصحراء. لاحقاً سيتبين أن تلك الرواية بعيدة تماماً عن الحقيقة، وأن الوكالة كانت تقدّم، لسبب غير مفهوم، معلومات مضلِّلة للعائلة. تقول بهاء: “لم أصدق ما أخبروني به… كان الأمر غريباً ومريباً منذ البداية”.
كان منصور الكيخيا وزير خارجية ليبيا ومندوبها في الأمم المتحدة قبل انشقاقه وتأسيسه المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي كان يرأسها آنذاك المفكر المغربي الدكتور علي أومليل.
وفي ديسمبر 1993، وأثناء مشاركته في اجتماع للمنظمة بالقاهرة، خرج من فندقه ولم يعد. لأعوام طويلة ظلّ مصيره معلقاً بين الروايات المتضاربة.
بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، وتحديدا بعد اعتقال رئيس جهاز الأمن الليبي السابق عبد الله السنوسي، ظهرت الحقيقة:
-اختُطف الكيخيا من قلب القاهرة بواسطة المخابرات الليبية.
-نُقل سرا إلى طرابلس حيث سُجن لسنوات.
-توفي عام 2000، في ظروف بقيت غامضة.
لكن المفاجأة الأكثر صدمة تمثلت في أن جثته لم تُدفن، كما حاول النظام ترويجه، بل حُفظت داخل وحدة تبريد في فيلا تعود لأحد أبناء القذافي، قبل أن يُعثر عليها عام 2012.
الفيلم يكشف أيضا رسالة خطية كان الكيخيا قد تركها قبل اختفائه، يقول فيها إنه تلقّى عرضا من الـCIA لتوفير الحماية والدعم السياسي، لكنه رفضه. بعد اختفائه، استغل القذافي هذه المعطيات واتهم الولايات المتحدة بالتورط، مما زاد الغموض تعقيدا.
أما عائلته، فظلت تتنقل بين الوعود والشكوك والتحقيقات الفارغة طوال عقدين كاملين. تقول ابنته جيهان الكيخيا، مخرجة الفيلم: “لقد خُدعنا كثيراً… كانوا يعلمون أكثر مما يقولون”.
بعد العثور على رفاته ودفنه أخيراً، شعرت العائلة بأن عبئاً ثقيلاً أزيح عن كاهلها. تقول جيهان: “أغلقنا صفحة مؤلمة، لكننا أردنا قبل ذلك أن نروي الحقيقة… هذا الفيلم ليس سياسياً بقدر ما هو محاولة لاستعادة جزء من ذاكرة ليبيا”.
وتؤكد أن neither she nor her brother intends to enter politics، بل أرادا فقط توثيق قصة رجل دفع حياته ثمناً لموقفه.
بهذا الكشف، انتهت أطول فصول الغموض في تاريخ المعارضة الليبية، وبقي السؤال معلّقاً: لماذا احتفظ القذافي بجثة وزير خارجيته في ثلاجة كل تلك السنوات؟
سؤال لا تزال إجابته تحمل من الرعب ما يكفي لتفسير طبيعة نظام لم يكن يكتفي بإسكات خصومه… بل كان يحتفظ بهم حتى بعد موتهم.




تعليقات الزوار ( 0 )