تشهد قضية الصحراء المغربية تحولات متسارعة تعكس انتقالاً تدريجيًا في مواقف عدد من الدول نحو تبني مقاربة أكثر واقعية في التعاطي مع هذا النزاع الإقليمي، ويبرز هذا التحول من خلال توالي سحب الاعترافات بالكيان الانفصالي، مقابل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، بما يعزز موقعها كخيار عملي لحل دائم.
وتأتي هذه الدينامية في سياق أممي يتسم بتكثيف النقاش حول مستقبل التسوية، خاصة مع اقتراب محطات حاسمة داخل مجلس الأمن الدولي، وهو ما يمنح هذه التطورات أبعادًا سياسية تتجاوز بعدها الرمزي، لتطرح تساؤلات جوهرية حول تأثيرها الفعلي على موازين القوى وعلى مسار إنهاء هذا النزاع الممتد.
❖ دعم متزايد
يرى محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن قرار الهندوراس تعليق اعترافها بما يسمى “الجمهورية الوهمية” يشكل مؤشرًا إيجابيا للغاية، خاصة في الظرفية الحالية التي تتزامن مع تقديم إحاطات أمام مجلس الأمن الدولي حول قضية الصحراء المغربية.
وشدد نشطاوي في تصريح لجريدة “الشعاع”، على أن هذا القرار يندرج ضمن دينامية دولية متصاعدة تعرفها القضية الوطنية، لاسيما بعد صدور القرار الأممي 2797، الذي عزز بشكل واضح مغربية الصحراء، وأكد على أن الحكم الذاتي يمثل الحل الوحيد والنهائي لهذا النزاع.
وأضاف أن توالي مثل هذه القرارات يعكس تحولاً متناميًا في مواقف الدول، حيث لم يعد الدعم مقتصرًا على التصريحات السياسية، بل بات يتجسد في خطوات عملية تعيد رسم خريطة الاعترافات الدولية.
ولفت رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، إلى أن هذا المسار يعزز من مصداقية الطرح المغربي، الذي يكتسب تدريجيًا مشروعية أكبر داخل المنتظم الدولي.
وأبرز أن هذا الزخم الدبلوماسي يتزامن مع تحولات أوسع في البيئة الدولية، حيث تتجه العديد من الدول نحو تبني مقاربات قائمة على الواقعية السياسية، وهو ما يفسر تنامي التأييد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارًا عمليًا لتسوية النزاع.
❖ تضييق الخناق
يؤكد نشطاوي على أن هذه التطورات من شأنها أن تسرع من وتيرة إنهاء هذا النزاع، بل وقد تؤثر حتى على إمكانية سحب ملف الصحراء المغربية من اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة المعنية بتصفية الاستعمار.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن هذا التحول المحتمل يعكس انتقال القضية من إطارها التقليدي إلى أفق سياسي أكثر حسمًا.
وأشار إلى أن الضغوط تتزايد على جبهة البوليساريو وعلى الجزائر، في ظل تزامن عدة عوامل، من بينها الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، وسحب عدد من الدول لاعترافها بالكيان الانفصالي، وهو ما يضعف بشكل واضح من موقع هذا الأخير داخل المشهد الدولي.
ولفت إلى أن هذه الدينامية لا تقتصر فقط على الجانب الدبلوماسي، بل تشمل أيضًا تحولات في طبيعة التعاطي الدولي مع هذا الملف، حيث باتت بعض الأطراف تواجه عزلة متنامية نتيجة تراجع الدعم السياسي الذي كانت تحظى به سابقًا.
❖ تصنيف محتمل
يعتبر نشطاوي أن من بين المؤشرات الدالة على هذا التحول، بروز مشاريع قرارات تروم تصنيف جبهة البوليساريو كحركة إرهابية، إلى جانب تزايد قناعة عدد من الدول بكونها حركة انفصالية ذات ارتباطات بأنشطة تهدد الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، يستحضر نشطاوي ما يعتبره أدوارًا سابقة لبعض العناصر المرتبطة بالجبهة في منطقة الساحل والصحراء؛ من قبيل ما قام به عدنان أبو الوليد الصحراوي، من عمليات اختطاف للأجانب ومسؤوليته في أحداث إرهابية بمنطقة الساحل والصحراء، ومتاجرة البوليساريو في المساعدات.
وشدد رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، على أن هذه المعطيات تساهم بشكل لا يضع أي مجال للشك في تشكيل صورة سلبية عن هذه الجبهة الانفصالية داخل عدد من الدوائر الدولية.
ويرى أن هذه المؤشرات مجتمعة تعزز من الطرح القائل بأن البوليساريو لا تمثل مشروعًا سياسيًا قائمًا على تقرير المصير كما تدعي، بل تندرج ضمن حركات انفصالية ذات امتدادات معقدة، وهو ما يضعف من حجتها أمام المجتمع الدولي.
❖ الحكم الذاتي
يشدد نشطاوي على أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أحد أشكال تقرير المصير المعترف بها دوليًا، وهو ما يجعلها إطارًا شرعيًا لتسوية النزاع، معتبرًا أنه كان من المفروض على الأطراف الأخرى الانخراط في هذا المسار بشكل طوعي، بدل الوصول إلى مرحلة التفاوض تحت ضغط التحولات الدولية.
وأشار إلى أن القرار الأممي 2797 رسخ هذا التوجه، حيث وضع أسس مقاربة جديدة تقوم على الواقعية السياسية، وتدفع نحو مفاوضات تستند إلى مقترح الحكم الذاتي كأرضية أساسية للنقاش.
وأبرز أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن النقاش الحالي لم يعد يدور حول مبدأ الحل، بل حول تفاصيل تنزيله، بما في ذلك الجوانب المرتبطة بتدبير الشأن المحلي وتحديد آليات الحكامة داخل الأقاليم الجنوبية.
❖ أفق التسوية
يلفت نشطاوي إلى أن الخناق يضيق بشكل متزايد على جبهة البوليساريو، في ظل هذه التحولات المتلاحقة، مؤكدًا أن سحب الاعترافات من قبل عدد من الدول من شأنه أن يسرع في إنهاء الطموحات الانفصالية.
ويرى أن المقترح المغربي لم يعد مجرد مبادرة سياسية، بل تحول إلى مشروع متكامل يشمل مختلف أبعاد التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعزز من قابليته للتطبيق على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يؤكد أن المرحلة المقبلة ستتمحور أساسًا حول التفاوض بشأن بعض التفاصيل التقنية، المرتبطة بشكل الإدارة المحلية وآليات تمثيل الساكنة، في أفق التوصل إلى حل نهائي يضع حدا لهذا النزاع الطويل.


تعليقات الزوار ( 0 )