بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، 8 مارس، تتجدد مناسبة التأمل في مسار النضال من أجل المساواة والكرامة الإنسانية، كما تتجدد معها الحاجة إلى استحضار المبادرات الفكرية والثقافية والإشعاعية والمدنية التي جعلت من قضية المرأة جزءاً مركزياً من مشروعها المجتمعي. وفي هذا السياق، تبرز رؤية الطريق الرابع باعتبارها أفقاً فكرياً واجتماعياً يسعى إلى بناء مسارات جديدة للفعل المدني، تقوم على التفاعل بين المعرفة والمبادرة المجتمعية، وبين الفكر النقدي والممارسة الميدانية.
لقد شكلت الديناميات المرتبطة بهذه الرؤية، وعلى رأسها حركة قادمون وقادرون، ومنتدى مغرب المستقبل، والجامعة الشعبية المغربية، والمقهى الثقافي، والمنتدى الوطني للمدينة، فضاءات حية للتفكير والعمل حول قضايا المجتمع، حيث حضرت قضية المرأة باعتبارها محوراً أساسياً في النقاش العمومي وفي المبادرات الثقافية والمدنية. فقد انخرطت هذه الفضاءات في تنظيم لقاءات فكرية وثقافية، وكتابة مقالات ودراسات، وإطلاق مبادرات مدنية تُسهم في تعزيز الوعي بأهمية المساواة بين النساء والرجال، وتفتح نقاشاً مجتمعياً حول أدوار المرأة ومكانتها في التحولات الاجتماعية المعاصرة.
ومن خلال هذه الديناميات، لم يكن الحديث عن المرأة مجرد احتفاء رمزي بالمناسبة، بل كان مدخلاً لطرح أسئلة أعمق تتعلق ببنية المجتمع، وبالاختلالات الاجتماعية التي ما تزال تؤثر في أوضاع النساء، خاصة على مستوى التفاوت الاجتماعي، وإمكانيات الولوج المتكافئ إلى الموارد والفرص والفضاءات العمومية.
إن الرهان الحقيقي الذي تطرحه هذه المبادرات، انطلاقاً من رؤية الطريق الرابع، يتمثل في الانتقال من خطاب المساواة إلى ممارستها الفعلية، وذلك عبر دعم السياسات والبرامج التي تستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية، وتعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة، وتمكينهن من الحضور الفاعل داخل الفضاءات الثقافية والمؤسساتية. فدمقرطة الولوج إلى الفضاء العام، وإلى المؤسسات المنتجة للقرار والمعرفة، تظل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع قائم على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الإطار، يظل الفعل الاجتماعي والثقافي أحد أهم الآليات القادرة على إحداث التحول، من خلال نشر ثقافة المساواة، وتشجيع المبادرات المدنية، وتوسيع مجالات الحوار العمومي حول قضايا المرأة. فالمجتمع الذي يفتح فضاءاته للنساء على قدم المساواة مع الرجال هو مجتمع يعزز ديناميته الداخلية، ويستثمر في طاقات جميع مكوناته دون إقصاء أو تهميش.
إن استحضار هذه التجارب والديناميات في اليوم العالمي للمرأة لا يهدف فقط إلى الاحتفاء بما تحقق، بل إلى التأكيد على أن مسار تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية يظل مشروعاً مجتمعياً مفتوحاً، يتطلب تضافر الجهود الفكرية والمدنية والمؤسساتية. فالنهوض بأوضاع المرأة ليس قضية فئة بعينها، بل هو رهان مجتمعي شامل يرتبط ببناء مجتمع أكثر إنصافاً وحرية وتضامناً.
وبذلك تظل رؤية الطريق الرابع، بما تحمله من أفق فكري ومدني، وبما أفرزته من ديناميات اجتماعية وثقافية، مساهمةً في ترسيخ ثقافة المساواة وتعزيز حضور المرأة في الفضاء العام، باعتبارها شريكاً كاملاً في صناعة الحاضر وبناء المستقبل.
المصطفى المريزق
فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع






تعليقات الزوار ( 0 )